كلما تعرّضت ناقلة نفط لهجوم قرب باب المندب، أو رافقت زوارق دورية سفينةً في مضيق هرمز، تحدثت العناوين عن "أمن الطاقة". عبارة مريحة، توحي بمصلحة مشتركة في إبقاء النفط جارياً، وبمسألة تخص البحريات والمهندسين. لكن حين نسأل من يهدّد العبور، ومن يتحمّل الكلفة، ومن يحدّد القواعد، تظهر صورة مختلفة: هذان المضيقان أدوات نفوذ، تُرتدي لغة السيادة وتُبرَّر باسم الطاقة.
ثلاث قراءات، لا قراءة واحدة ثمة ثلاثة تفسيرات متنافسة لما يجري، ولكل منها حدوده.
القراءة الأولى: أمن الطاقة. تفسّر لماذا تتحرك الأسواق والدول المستوردة، فنحو خُمس استهلاك النفط العالمي وحصة كبيرة من الغاز المسال تمرّ عبر هرمز، فيما يشكّل باب المندب بوابة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. لكنها تعجز عن تفسير سلوك الأطراف المهدِّدة، لأن من يعطّل العبور كثيراً ما يضر شركاءه التجاريين قبل خصومه.
القراءة الثانية: السيادة. هي الطبقة القانونية والسردية. في هرمز تتداخل المياه الإقليمية بين إيران وعُمان، وإيران لم تصادق على اتفاقية قانون البحار، فتنازع نظام "المرور العابر" الذي يعدّه آخرون مسلّماً به. وفي باب المندب تتشابك المطالب مع تفكك الدولة اليمنية، فلا جهة واحدة قادرة على ضمان المرور أو منعه. لغة السيادة تمنح الإكراه شرعية، وتمنح الطرف الآخر في المقابل رواية "حرية الملاحة".
القراءة الثالثة: اختبار القوة. وهي الأقدر على تفسير السلوك. فالقيمة ليست في الإغلاق الكامل، الذي يكاد يكون انتحارياً لمن يلجأ إليه، بل في القدرة الموثوقة على التهديد به. أدواته: المضايقة، والاحتجاز، وصدمات أقساط التأمين، والمسيّرات الرخيصة في مواجهة اعتراضات باهظة. والحوثيون أثبتوا في البحر الأحمر أنك لا تحتاج إلى إغلاق مضيق، يكفي أن ترفع كلفة العبور حتى تغيّر الشركات مسارها حول رأس الرجاء الصالح.
هما اختبار قوة تُدار بمفردات السيادة وتُسوَّق باسم أمن الطاقة. والمؤشر الكاشف هو من يدفع الثمن: حين يتضرر شركاء الفاعل أكثر من خصمه، يصبح خطاب أمن الطاقة غطاءً أكثر منه تفسيراً.









