ترتفع العقود الآجلة لكل من خامي غرب تكساس الوسيط وبرنت بأكثر من 1% اليوم، وذلك بعد يوم من التراجع العنيف بأكثر من 6% و8% على التوالي لكلا المعيارين.
أتت تراجعات أسعار الخام على ضوء التفاؤل المحيط بالزخم الدبلوماسي الذي طفا مجدداً على السطح بعد غياب مطول، وهو ما تزامن مع تحليق الأسعار بالقرب من قمم مرتفعة. هذا التفاؤل، على الرغم من أنني أراه هشاً للغاية، ساهم مع العوامل الفنية في دفع الأسعار للهبوط. فيما يبدو أن السوق قلل من أهمية الضربات الأمريكية على الأهداف الإيرانية في جزيرة قشم، إذ بدت وكأنها غير تصعيدية في وقت يسعر فيه السوق بالفعل مخاطر مرتفعة للتصعيد، وبالتالي لم تغير هذه الضربات من الواقع الحالي.
لا أرى ما يبرر هذا المستوى من التفاؤل بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما قد يبقي التحركات الهبوطية لأسعار النفط غير مستدامة. كما تحدثنا منذ بداية الحرب، إن لم يقدم أي من الطرفين تنازلات جوهرية تجاه الملفات العالقة، سواء الملف النووي والأصول الإيرانية المجمدة ودعم الوكلاء فضلاً عن الهيمنة على مضيق هرمز، فلا آفاق سوى للتصعيد. علاوة على ذلك، فإنني أرى جولة التفاوض هذه بمثابة نذير شؤم ينذر بعودة قريبة للحرب، على غرار ما حدث تماماً عند بداية الحرب أواخر فبراير الفائت والتي أتت تالياً لمفاوضات مباشرة.
أما الآن، فننتظر الانتهاء من انتخابات التجديد النصفي اليوم وسط ترقب لجملة من السيناريوهات المحتملة بعد زوال القيود السياسية عن الرئيس دونالد ترامب المتمثلة بالضغط الشعبي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة، ولكن في ذات الوقت في ظل البيئة السياسية المعقدة بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي لم تبرز فائزاً مطلقاً. السيناريو الأقل وطأة هو تنفيذ الولايات المتحدة ضربة قاسية ضد إيران ثم إعلان ترامب النصر في هذه الحرب والانسحاب منها مع ترك تسوية الصراع لإيران والدول العربية المحيطة، فيما لا أعتقد أن هذا السيناريو مرجح على الإطلاق.
سيناريو آخر قد يتمثل بالحفاظ على الحالة الراهنة المتمثلة في وضع لا حرب ولا سلم. قد يأتي هذا عملاً بالنصيحة التي قدمها وزير الخزانة ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووزير الخارجية لترامب، وتتمثل بالحفاظ على حالة "لا حرب ولا اتفاق"، وترك الضغط الاقتصادي ليؤتي ثماره عبر إحداث اضطراب داخلي يؤدي إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، وذلك وفق مصادر لموقع «آكسيوس». لكن حتى هذا السيناريو قد لا يؤدي إلى احتواء الأزمة داخل إيران، التي قد تصبح أكثر حاجة للحرب الشاملة في الإقليم في مسعى لتنفيس الضغط الداخلي وإضعاف سرديات القوى المعارضة. قد ينطوي هذا بدوره على عدوانية متزايدة من إيران تجاه الإقليم وإمدادات الخام العالمية وبنيته التحتية، وهو ما قد يترك السوق في حالة اضطراب مزمن ووسط مخاطر تجدد فقدان الإمدادات لوقت مطول. هذا ما نعيشه اليوم بالفعل، إذ نرى أسعاراً مرتفعة للغاية للخام على الرغم من تعافي إمدادات الإقليم من الخام إلى العالم.
السيناريو الأشد هو تجدد الحرب الإقليمية الشاملة مع حملة جوية واسعة ومطولة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، التي سترد بدورها هي وحلفاؤها من الحوثيين في اليمن بتكثيف استهداف البنية التحتية لإنتاج وتصدير الخام ومشتقاته والغاز في الإقليم. الجولة الجديدة من الحرب الإقليمية قد تكون أوسع نطاقاً جغرافياً على ضوء تدهور جبهة اليمن والمملكة العربية السعودية، ويضاف إلى ذلك التدهور داخل العراق في حال قامت الميليشيات الموالية لإيران بإسناد الجبهة. السيناريو الأكثر تطرفاً هو احتمالية توجيه ترامب ضربة نووية محدودة ضد إيران تستهدف المنشآت المحصنة داخل الجبال، وتحديداً منشأة جبل الفأس النووية. قد لا يكون هذا سيناريو ذو احتمال صفري على ضوء تصاعد النقاش حوله من قبل المعلقين، ومنهم تاكر كارلسون الذي يدعي اطلاعه عبر مصادر على دراسة ترامب لهذا النوع من الخيارات. الضربة النووية لن تؤدي بذاتها إلى اضطراب موسع، لكن الرد الإيراني العدائي للغاية حينها سيكون يصعب توقعه ضد الإقليم.
في كل الأحوال، لا يزال الموقف في الشرق الأوسط مائلاً إلى التصعيد وسط غياب الاختراقات البناءة للدبلوماسية والجدية في التفاوض. التناقض بين الأسعار المرتفعة والإمدادات المتعافية يبرر هذا السرد الذي يبقي احتمالية تجدد الاضطراب في الإمدادات قائمة.









