خاص - كارولين بعيني – الباحثة في الشؤون السياسية
لم تنتهِ تداعيات الانتخابات النصفية الأميركية عند المكاسب التي حققها الديمقراطيون، بل امتدت إلى ما هو أبعد من إعادة رسم موازين القوى في الكونغرس، لتطرح تساؤلات حول مستقبل الحزب الجمهوري نفسه، ومصير النفوذ السياسي للرئيس دونالد ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وفي خضم هذه التحولات، تتداول أوساط سياسية أميركية معلومات عن احتمال توجه وزير الخارجية ماركو روبيو نحو إعادة تموضعه داخل الحزب الجمهوري، تمهيداً لبناء مساحة سياسية مستقلة عن ترامب استعداداً للانتخابات الرئاسية عام 2028. ورغم عدم وجود تأكيد مستقل لهذه المعلومات، فإنها تفتح الباب أمام قراءة أعمق للتحولات المحتملة داخل الحزب، خصوصاً أن روبيو ليس سياسياً صعد بفضل ترامب، بل منافس سابق له امتلك مشروعاً رئاسياً قبل ظهور الترامبية بوصفها القوة المهيمنة على الجمهوريين.
لفهم ما قد يفكر فيه ماركو روبيو اليوم، لا بد من العودة إلى عام 2016، حين خاض السيناتور الشاب عن فلوريدا الانتخابات التمهيدية الجمهورية، مقدماً نفسه باعتباره ممثلاً لجيل جديد من المحافظين الأميركيين.
روبيو، المولود في ميامي عام 1971 لأسرة من المهاجرين الكوبيين، بدأ مسيرته السياسية في فلوريدا، حيث تولّى رئاسة مجلس النواب المحلي، قبل انتخابه عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2010، مستفيداً من صعود حركة «حزب الشاي» المحافظة.
وكان يمثل آنذاك نموذجاً جمهورياً يجمع بين المحافظة الاقتصادية والاجتماعية، والتشدد في السياسة الخارجية، والدفاع عن الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم.
لكن ظهور دونالد ترامب قلب المعادلات التقليدية داخل الحزب. ففي انتخابات 2016، لم يكن روبيو حليفاً لترامب، بل واحداً من أبرز منتقديه. وصفه خلال الحملة بأنه «محتال»، وهاجم أسلوبه السياسي، فيما رد ترامب بالسخرية منه وإطلاق لقب «ماركو الصغير» عليه.
ولم تكن تلك المواجهة مجرد صراع شخصي، بل عكست انقساماً بين الجمهوريين التقليديين الذين يمثل روبيو أحد أجيالهم الصاعدة، والتيار الشعبوي القومي الذي نجح ترامب في تعبئته وتحويله إلى مركز الثقل داخل الحزب.
بعد هزيمته في الانتخابات التمهيدية وانسحابه من السباق، اضطر روبيو إلى إعادة حساباته. فمع تعاظم نفوذ ترامب، بدأ تدريجياً بالاقتراب منه، وتبنى مواقف داعمة له، خصوصاً في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية، وصولاً إلى اختياره وزيراً للخارجية في إدارته الثانية عام 2025.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الطموح الرئاسي القديم قد اختفى. فقد يكون التقارب مع ترامب خياراً سياسياً فرضته موازين القوى داخل الحزب، أكثر منه تخلياً نهائياً عن مشروع مستقل.
المكاسب الديمقراطية في الانتخابات النصفية، بدت وكأنها تشعل النقاش حول قدرة الحزب الجمهوري على المحافظة على تحالفه الانتخابي في مرحلة ما بعد ترامب. فنتائج الانتخابات النصفية لا تقتصر عادة ما تقدم مؤشرات حول اتجاهات الناخبين، وحجم الرضا عن الإدارة الحاكمة، وطبيعة التحالفات السياسية القادرة على الاستمرار. وإذا كانت هذه النتائج قد كشفت عن تراجع تأييد الناخب الجمهوري وكذلك الناخبين المستقلين في العدبد من الولايات التي سبق أن منحت ترامب وحلفاءه أصواتها، فإن ذلك قد يدفع شخصيات بارزة داخل الحزب إلى التساؤل عما إذا كانت المحافظة على الولاء المطلق للرئيس ستظل استراتيجية انتخابية مجدية عام 2028.
لكن لا بد من التمييز بين خسارة الجمهوريين مقاعد في الكونغرس وتراجع نفوذ ترامب داخل الحزب. فالأول لا يؤدي تلقائياً إلى الثاني، خصوصاً أن الرئيس لا يزال يمتلك قاعدة شعبية وتنظيمية قادرة على التأثير في الانتخابات التمهيدية وتحديد مستقبل المرشحين الجمهوريين. ومن هنا تنشأ المعضلة التي قد تواجه روبيو: هل يكون مستقبله السياسي امتداداً للترامبية، أم يحاول استعادة مساحة من الاستقلال تسمح له بتقديم مشروع جمهوري مختلف؟
بحسب المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية، فإن احتمالات إعادة تموضع روبيو ترتبط بالتفكير المبكر في مرحلة ما بعد ترامب. غير أن هذه المعلومات لم تترافق حتى الآن مع أدلة موثقة على روبيو يمتلك عناصر يمكن أن تشكل أساساً لمشروع رئاسي مستقبلي.
فهو يتمتع بخبرة طويلة في مجلس الشيوخ، وعلاقات داخل المؤسسة الجمهورية، ومعرفة واسعة بملفات السياسة الخارجية، فضلاً عن جذوره السياسية في فلوريدا، الولاية التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز مراكز الثقل الجمهوري.
كما أن موقعه على رأس الدبلوماسية الأميركية يمنحه حضوراً دولياً في ملفات حساسة، من الصين وروسيا إلى إيران وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط.
وهذا الحضور قد يساعده على تقديم نفسه مستقبلاً باعتباره صاحب خبرة في إدارة العلاقات الدولية، في مرحلة قد تشهد فيها الولايات المتحدة نقاشاً واسعاً حول حدود الانخراط الخارجي وأولويات الأمن القومي.
لكن المنصب نفسه يفرض عليه قيوداً. فوزير الخارجية مسؤول عن تنفيذ سياسة الرئيس، وليس عن بلورة سياسة موازية. وأي محاولة للتمايز السياسي العلني قد تتحول إلى أزمة داخل الإدارة قبل أن تصبح مشروعاً انتخابياً.
لذلك، فإن المؤشرات الحقيقية على استعداد روبيو للاستقلال لن تكون في تصريحاته الدبلوماسية وحدها، بل في ظهور شبكة سياسية وانتخابية خاصة به، أو تحالفات جديدة مع مانحين وقيادات جمهورية، أو مواقف علنية تعكس خلافاً جوهرياً مع توجهات ترامب.
وحتى تظهر مثل هذه الأدلة، يبقى الحديث عن مركز قوة مستقل فرضية تستحق المتابعة، لا واقعاً سياسياً مكتمل المعالم.
جي دي فانس… المنافسة على إرث ترامب
لا يمكن فصل أي طموح رئاسي محتمل لروبيو عن موقع نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يمثل مساراً سياسياً مختلفاً داخل الحزب الجمهوري.
فبينما تشكلت تجربة روبيو في المؤسسة الجمهورية التقليدية قبل صعود ترامب، ارتبط صعود فانس الوطني بالتيار القومي المحافظ وبالتحولات التي أحدثتها حركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً».
وهنا قد يتجاوز التنافس المحتمل بين الرجلين مسألة الشخصيات إلى اختلاف حول مستقبل الحزب نفسه.
هل يستمر الجمهوريون في النموذج السياسي الذي رسخه ترامب، بقيادة جديدة تتبنى أفكاره الأساسية؟ أم تظهر محاولة لإعادة صياغة المشروع الجمهوري، تجمع بين بعض عناصر الترامبية والتقاليد المحافظة السابقة؟
هذا السؤال يحمل أهمية خاصة لأن روبيو لم يكن يوماً غريباً عن المؤسسة الجمهورية، بينما يمثل فانس وجهاً أقرب إلى الهوية السياسية التي أصبحت مسيطرة على الحزب خلال العقد الأخير.
ومع ذلك، فإن الاختلاف في الخلفيات لا يعني حتمية المواجهة. فقد يسعى أي منهما إلى المحافظة على دعم ترامب، بدلاً من الدخول في صراع مباشر معه.
هل يستطيع روبيو مواجهة ترامب سياسياً؟
تبدو هنا المفارقة الأكثر أهمية في مسيرة روبيو.
فالرجل الذي واجه ترامب عام 2016 وخسر أمامه، عاد بعد سنوات ليصبح جزءاً أساسياً من إدارته. وإذا قرر خوض السباق الرئاسي عام 2028، فسيجد نفسه أمام تحدٍ مختلف: ليس بالضرورة مواجهة ترامب مرشحاً، بل التعامل مع نفوذه في اختيار من يخلفه.
فالتعديل الثاني والعشرون للدستور الأميركي يمنع انتخاب أي شخص للرئاسة أكثر من مرتين، وهو ما يجعل انتخابات 2028 استحقاقاً مفتوحاً لخلافة ترامب، من دون أن يعني ذلك انتهاء تأثيره على الحزب.
وهنا يصبح الفارق كبيراً بين الانشقاق عن ترامب والسعي إلى خلافته.
فالانشقاق يعني مواجهة سياسية قد تؤدي إلى خسارة جزء مهم من القاعدة الجمهورية، أما الاستعداد للخلافة فقد يقوم على محاولة الجمع بين الاستفادة من الإرث الانتخابي لترامب وتقديم قيادة جديدة قادرة على مخاطبة شرائح أوسع من الناخبين.
ولا توجد حتى الآن معطيات موثقة تسمح بالجزم بأن روبيو اختار المواجهة. لكن تجربته في عام 2016 تظل دليلاً على أن طموحه إلى البيت الأبيض سبق علاقته السياسية الحالية بترامب.
في السياسة الأميركية، لا تنتظر التحضيرات الرئاسية عادة انتهاء الولاية القائمة. فالتحالفات والتمويل والتموضع داخل الأحزاب تبدأ قبل إعلان الترشح بوقت طويل.
ولهذا فإن أي تحركات مستقبلية لروبيو ستكتسب أهمية مضاعفة إذا تزامنت مع مراجعة جمهورية لنتائج الانتخابات النصفية، أو مع ظهور خلافات داخل الحزب حول السياسات الاقتصادية والخارجية وإدارة العلاقة مع الناخبين المستقلين.
غير أن التحليل السياسي لا ينبغي أن يخلط بين وجود ظروف تشجع على إعادة التموضع ووجود قرار فعلي بالانشقاق. فالانتخابات قد تفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن أحد أركان الإدارة بدأ التحضير لمواجهة الرئيس.
وفي المحصلة، قد لا يكون السؤال الأكثر دقة اليوم ما إذا كان ماركو روبيو يستعد للانقلاب سياسياً على ترامب، بل ما إذا كان يعمل، أو سيسعى لاحقاً، إلى بناء مستقبل لا يعتمد بالكامل على موافقته.
فروبيو يعرف من تجربته الشخصية أن ترامب استطاع عام 2016 تغيير قواعد المنافسة داخل الحزب الجمهوري. وما سيكشفه العامان المقبلان هو ما إذا كانت تلك القواعد ستظل قائمة بعد انتهاء ولايته، أم ستبدأ مرحلة جديدة تتنافس فيها القيادات الجمهورية على تحديد شكل الحزب وهويته.
وبين طموح روبيو القديم، وحضور فانس داخل التيار الترامبي، وتداعيات الانتخابات النصفية، قد تكون المعركة السياسية الأهم داخل الحزب الجمهوري ليست فقط على اسم المرشح المقبل، بل على من يمتلك حق تعريف الترامبية السياسية بعد ترامب !









