تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

توقعات اسعار الذهب : تصحيح نحو 4038 دولاراً وترقب بيانات الوظائف الاميركية

توقعات اسعار الذهب : تصحيح نحو 4038 دولاراً وترقب بيانات الوظائف الاميركية

يتداول الذهب قرب 4050 ضمن مرحلة جديدة من الاختبار، بعدما اصطدمت موجة التعافي القوية التي شهدها المعدن الأصفر بمقاومة 4147 دولاراً للأونصة، في حركة تعكس عودة التوازن النسبي بين قوى الشراء والبيع، وتكشف في الوقت ذاته عن حساسية الأسواق المتزايدة تجاه تحولات السياسة النقدية الأمريكية. وبينما يحاول الدولار استعادة زخمه، تتجه أنظار المستثمرين إلى تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكي لشهر أكتوبر، باعتباره أحد أهم المحفزات التي قد تعيد رسم توقعات أسعار الذهب خلال المرحلة المقبلة. لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية من مجرد تفسير هذا التراجع هو: هل نحن أمام بداية انعكاس هابط جديد، أم أن الأسواق تشهد عملية تصحيح طبيعية بعد الارتفاعات الأخيرة، تمهيداً لاستكمال المسار الصاعد؟

من وجهة نظري، لا يمكن قراءة تراجع أسعار الذهب من 4147 إلى مستويات قريبة من 4038 دولاراً بمعزل عن السياق الاقتصادي والنقدي الذي أحاط بالموجة الصاعدة الأخيرة. فالذهب تمكن من استعادة مستوى 4000 دولار بعد ارتداده من القاع الأخير قرب 3870 دولاراً، مستفيداً من تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض عوائد سندات الخزانة، بالتزامن مع إعادة تقييم المستثمرين لتداعيات نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

وقد ساهمت احتمالات الانقسام السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس في تعزيز الرهانات على تقييد التوسع المالي، وهو ما قد ينعكس على توقعات النمو والإنفاق الحكومي مستقبلاً. وفي مثل هذه البيئة، تزداد جاذبية الذهب باعتباره أصلاً تحوطياً، خصوصاً عندما تتراجع العوائد الحقيقية وتتزايد حالة عدم اليقين بشأن المسار الاقتصادي.

لكن المشهد لم يستمر في الاتجاه نفسه، إذ بدأ الدولار الأمريكي باستعادة جزء من خسائره، مع توجه المستثمرين إلى تقليص مراكز المخاطرة قبل صدور بيانات الوظائف الأمريكية. وهنا تظهر العلاقة التقليدية بين الذهب والدولار، فالارتفاع في قيمة العملة الأمريكية يجعل المعدن الأصفر أكثر تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، ويحد بالتالي من جاذبيته الاستثمارية على المدى القصير. إلا أنني أرى أن قوة الدولار الحالية لا ينبغي تفسيرها باعتبارها دليلاً كافياً على عودة اتجاه صاعد مستدام للعملة الأمريكية، بل يجب النظر إليها ضمن حركة إعادة تمركز استثماري تسبق حدثاً اقتصادياً مهماً، خصوصاً أن الأسواق لا تزال توازن بين مخاطر التضخم وتباطؤ النمو واحتمالات تشديد السياسة النقدية.

وتكتسب بيانات الوظائف غير الزراعية أهمية استثنائية في هذه المرحلة، ليس فقط بسبب الرقم الرئيسي المتوقع، بل بسبب انعكاساتها المحتملة على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي. فالتقديرات تشير إلى إضافة الاقتصاد الأمريكي نحو 65 ألف وظيفة خلال أكتوبر، مقارنة بـ29 ألف وظيفة في ايلول سبتمبر، مع توقع استقرار معدل البطالة عند 4.2%. كما تتجه التوقعات إلى نمو متوسط الأجور بالساعة بنسبة 0.3% على أساس شهري و2.9% على أساس سنوي. وبرأيي، فإن قراءة هذه الأرقام بصورة منفردة قد تكون مضللة؛ إذ إن الأهمية الحقيقية تكمن في طبيعة التوازن بين نمو الوظائف ومعدل البطالة والأجور، ومدى انعكاس ذلك على الضغوط التضخمية.

فإذا جاءت بيانات التوظيف أقوى من المتوقع، بالتزامن مع تسارع نمو الأجور، فقد تتعزز رهانات استمرار السياسة النقدية المتشددة، وربما ترتفع توقعات تشديد إضافي للفائدة، الأمر الذي قد يمنح الدولار دعماً جديداً ويضع أسعار الذهب تحت ضغوط بيعية إضافية. أما إذا جاءت الأرقام أضعف من التوقعات، أو كشفت عن تباطؤ واضح في نمو الأجور، فقد نشهد تراجعاً في عوائد السندات الأمريكية وانحساراً في جاذبية الدولار، بما يفتح المجال أمام الذهب لاستعادة زخمه الصاعد ومحاولة اختبار القمة الأخيرة مجدداً. ومع ذلك، فإن رد فعل الأسواق لن يكون بالضرورة خطياً، لأن الاحتياطي الفيدرالي يضع التضخم واستقرار سوق العمل ضمن معادلة واحدة، وقد لا تكفي قراءة ضعيفة للتوظيف وحدها لتغيير مسار السياسة النقدية.

ومن العوامل التي تستحق المتابعة أيضاً تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، ولا سيما النبرة المتشددة التي ظهرت في تصريحات لوري لوغان، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، بشأن الحاجة إلى إبقاء السياسة النقدية مقيدة لمواجهة استمرار التضخم. وهذه التصريحات تضع الأسواق أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فحتى مع ظهور مؤشرات على اعتدال سوق العمل، قد لا يكون البنك المركزي مستعداً للتراجع سريعاً عن موقفه المتشدد إذا ظلت الضغوط السعرية مرتفعة. ومن هنا، فإن أي ارتفاع في الذهب سيظل بحاجة إلى دعم واضح من تراجع الدولار والعوائد، وليس مجرد توقعات مؤقتة على ضعف البيانات الاقتصادية.

وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل تأثير أسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية على توقعات الذهب. فعودة ارتفاع النفط قد تعيد إشعال المخاوف التضخمية، وتدفع الأسواق إلى تسعير فترة أطول من الفائدة المرتفعة، وهو سيناريو لا يخدم الذهب بالضرورة رغم طبيعته كأداة للتحوط من التضخم. كما أن موجات التراجع الحادة في أسواق الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا، قد تؤدي أحياناً إلى عمليات تسييل للمراكز الاستثمارية في الذهب لتوفير السيولة أو تغطية الخسائر في أصول أخرى. وهذا ما يجعل العلاقة بين الذهب والأصول الأخرى أكثر تعقيداً من مجرد اعتباره ملاذاً آمناً يرتفع تلقائياً مع كل موجة اضطراب.

لذا أرى أن مستوى 4147 دولاراً يمثل حاجزاً محورياً في تحديد قدرة الذهب على استعادة الاتجاه الصاعد على المدى القصير، بينما تظل منطقة 4007 دولاراً منطقة اختبار مهمة لتماسك الأسعار. إن نجاح المعدن الأصفر في الحفاظ على استقراره واستعادة التداول أعلى المتوسط المتحرك لعشرين يوماً، القريب من 4064 دولاراً ، قد يعزز فرص عودة المشترين واختبار القمة الأخيرة عند 4147 دولاراً، واختراقها قد يفتح المجال أمام امتداد التعافي باتجاه 4200 دولار. في المقابل، فإن استمرار الضغوط وكسر مناطق الدعم الحالية سيعيد الأنظار إلى القاع الأخير قرب 3870 دولاراً، باعتباره مستوى مهماً في تقييم مدى احتفاظ الاتجاه الصاعد ببنيته.

وخلاصة رؤيتي أن تصحيح أسعار الذهب الحالي لا يمثل حتى الآن دليلاً حاسماً على انتهاء المسار الصاعد، بل يعكس تصادماً بين عاملين رئيسيين: رغبة المستثمرين في التحوط من المخاطر الاقتصادية والسياسية، وتمسك السياسة النقدية الأمريكية بنبرة متشددة تحد من جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً.

لذلك، فإن الحكم على الاتجاه القادم لـXAUUSD يجب أن يستند إلى ما ستكشفه بيانات الوظائف الأمريكية من إشارات حول التضخم وسوق العمل وتوقعات الفائدة، وليس إلى حركة السعر وحدها. فالذهب قد يكون بصدد بناء قاعدة جديدة لاستكمال التعافي، لكنه في الوقت ذاته يواجه اختباراً حقيقياً لقدرة المشترين على امتصاص ضغوط الدولار والعوائد. وفي اعتقادي، فإن المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد عند 4147 دولاراً، وما ستكشفه البيانات الأمريكية قد يكون العامل الفاصل بين تصحيح مؤقت يسبق موجة صعود جديدة، وتحول أعمق في اتجاه المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة.

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google