سجل مؤشر الدولار الأميركي (DXY) مكاسب ملحوظة ليقترب من مستوى 107.20 خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، وسط ترقب لبيانات مبيعات التجزئة الأميركية لشهر تشرين الثاني نوفمبر وقرار أسعار الفائدة من بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهذه التطورات تجعل الأسواق تعيش حالة من الحذر، حيث تتشابك التوقعات بين قوة الدولار المحتملة وردود الفعل تجاه القرارات الاقتصادية المقبلة. ومن وجهة نظري، فإن الأسواق تواجه الآن مزيجًا معقدًا من البيانات الاقتصادية والسياسات النقدية، وهو ما يفرض ضغطًا مضاعفًا على الدولار الأمريكي لمواصلة تسجيل مكاسب ملحوظة.
كما يشهد الدولار زخمًا متجددًا مع ارتفاع مؤشره إلى حوالي 107.20، في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية قرارات حاسمة من قبل البنوك المركزية الكبرى هذا الأسبوع، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي. حيث أن التوقعات السائدة تُشير إلى أن الفيدرالي سيقدم على خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وهو ما كان متوقعًا إلى حد كبير بالنظر إلى البيانات الاقتصادية الأخيرة.
ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بخفض الفائدة ذاته، بل بكيفية صياغة رئيس البنك جيروم باول لنبرته في المؤتمر الصحفي وتوجهات السياسات الاقتصادية للفيدرالي. وفي رأيي، قد يلعب باول دورًا مزدوجًا بين التأكيد على مرونة الفيدرالي في مواجهة التباطؤ الاقتصادي وبين السعي للحفاظ على استقرار الأسواق المالية. وهذا يعني أن أي تلميحات لتشديد مُصاحب قد تكون داعمة للدولار على المدى القريب.
أما بيانات مبيعات التجزئة الأميركية المنتظرة تمثل محورًا آخر للمتداولين الذين يبحثون عن إشارات أوضح حول صحة الاقتصاد الأميركي. فإذا جاءت البيانات أقوى من التوقعات، فإن ذلك سيؤكد متانة الاقتصاد الاستهلاكي، الذي يعد أحد أعمدة النمو الاقتصادي الأميركي.
بالمقابل، فإن الأرقام الأضعف قد تُشعل مخاوف الأسواق بشأن تأثيرات السياسة النقدية المتشددة السابقة على النشاط الاقتصادي، ما قد ينعكس سلبًا على الدولار. وبرأيي الشخصي، يبدو أن الأسواق مُتحفزة بشكل مفرط لأي بيانات إيجابية، وهو ما قد يضخم التوقعات بخصوص قوة الدولار بشكل مؤقت، خصوصًا إذا جاءت نتائج مبيعات التجزئة ضمن نطاق معتدل.
كما أن توقعات أسعار الفائدة مدعومة ببيانات مؤشر مديري المشتريات الأميركي الصادرة مؤخرًا، حيث أظهرت تحسنًا كبيرًا في القطاع الخدمي، الذي ارتفع إلى 58.5 في كانون االاول ديسمبر من 56.1 في تشرين الثاني نوفمبر. وفي المقابل، سجل القطاع التصنيعي أداءً أضعف مع هبوط مؤشر مديري مشترياته إلى 48.3، وهو أدنى من التوقعات. وهذا التباين بين أداء قطاعي الخدمات والتصنيع يعكس بوضوح التحديات التي يواجهها الاقتصاد الأميركي حاليًا، حيث لا تزال القطاعات المعتمدة على الاستهلاك قوية، بينما تُظهر القطاعات الإنتاجية هشاشة نسبية. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الدولار سيبقى في حالة تذبذب، حيث يتوقف اتجاهه على البيانات الجديدة وتوجهات الفيدرالي، لا سيما في ظل تنامي حالة عدم اليقين الاقتصادي عالميًا.
والأهم من ذلك، هو أن التوقعات بخفض الفائدة بنسبة 25 نقطة أساس أصبحت شبه محسومة، حيث يتوقع السوق الخفض بنسبة 95.4% لذلك. هذا الأمر يعني أن الأسواق قد تسعّر القرار مسبقًا، تاركة تركيز المستثمرين على لهجة الفيدرالي فيما يتعلق بمسار الفائدة المستقبلية. فإذا أشار باول إلى أن هذا الخفض قد يكون الأخير لفترة قادمة، فإن الدولار سيستفيد بشكل كبير، حيث سينظر المستثمرون إليه كملاذ آمن وسط التحديات الاقتصادية العالمية. وعلى النقيض، وإذا أظهر الفيدرالي مرونة أكبر تجاه مزيد من التيسير النقدي، فإن الدولار قد يتعرض لضغوط هبوطية.
واللافت للنظر أن الدولار يتأثر بشكل كبير بما يُسمى "التخفيض المتشدد". وهو ما يعني أن الأسواق لا تراقب القرار نفسه فقط، بل كيفية تفسيره ومدى تشدده. ومن وجهة نظري، هذه المرحلة الدقيقة تتطلب من الفيدرالي تقديم رسائل متوازنة تضمن تهدئة مخاوف الأسواق من ركود محتمل، دون تقديم إشارات تيسيرية مفرطة قد تضعف الدولار على المدى الطويل.
وأتوقع أن تلعب قرارات بنك اليابان (BoJ) وبنك إنجلترا (BoE) دورًا إضافيًا في تحركات الدولار. فبنك اليابان لا يزال بعيدًا عن اتخاذ خطوات تشديدية قوية، ما يعزز التفوق النسبي للدولار مقابل الين الياباني. أما بنك إنجلترا، فإنه يواجه ضغوطًا تضخمية كبيرة، مما قد يدفعه إلى مزيد من التشديد النقدي، وهو ما يمكن أن يُخفف من مكاسب الدولار أمام الجنيه الإسترليني. وهنا تظهر التحديات الحقيقية التي تواجه الدولار كعملة رئيسية، حيث ستتأثر قوته بتباين السياسات النقدية بين البنوك المركزية الكبرى.
وفي النهاية يمكنني القول إن مؤشر الدولار يقترب من مستوى 107 مدفوعًا بالترقب والحذر الذي يعيشه المستثمرون قبيل صدور بيانات مبيعات التجزئة وقرارات الفيدرالي. كما أن الأسواق تُدرك أن خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قد لا يكون نهاية حرب الفيدرالي ضد التضخم، بل مجرد خطوة في سياق توازن الفيدرالي بين دعم النمو الاقتصادي وكبح التضخم. ومن وجهة نظري، يبقى الدولار في وضع ايجابي قوي، مدعومًا بتوقعات السوق والبيانات الاقتصادية، إلا أن أي إشارات تيسيرية من الفيدرالي قد تعيد تشكيل المشهد سريعًا. وهذه المرحلة تتطلب مراقبة دقيقة لكل التطورات الاقتصادية القادمة، لأن الدولار الأميركي قد يكون أمام اختبارات حقيقية لقوته خلال الأسابيع المقبلة.