استقر مؤشر الدولار الأميركي (DXY) حول مستوى 108.00 في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور بيانات التضخم الأميركية ومواصلة شهادة جيروم باول أمام الكونجرس. حيث لم يحمل اليوم الأول من شهادة باول إشارات حاسمة بشأن توجهات السياسة النقدية المستقبلية، فقد أبقى رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمور غامضة دون تأكيد أي نية لخفض أسعار الفائدة قريبًا. ومع ذلك، فإن الأسواق لا تزال تحاول استقراء توجهاته من خلال متابعة بيانات التضخم القادمة وتحركات العائد على السندات الأميركية.
وبرأيي توقعات التضخم لشهر كانون الثاني يناير تشير إلى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.3% على أساس شهري، مقارنة بـ 0.4% في كانون الاول ديسمبر. بينما يُتوقع أن يرتفع المؤشر الأساسي بنسبة 0.3% من 0.2% في الشهر السابق. وهذه الأرقام قد تكون حاسمة في توجيه الأسواق، حيث يمكن لبيانات أقوى من المتوقع أن تعزز التوقعات على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يدعم الدولار الأميركي. وفي المقابل، أي تراجع مفاجئ في التضخم قد يعيد الحديث عن احتمالية خفض الفائدة لاحقًا خلال العام، وهو ما قد يضغط على الدولار.
ومن وجهة نظري، يتزامن هذا مع استمرار ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، حيث سجل 4.54% بعد ارتفاعه لليوم الثالث على التوالي، متعافيًا من أدنى مستوياته السنوية. وارتفاع العائدات غالبًا ما يدعم الدولار الأميركي، حيث يعكس توقعات السوق بإبقاء الفيدرالي على سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول. وتبقى احتمالات حفاظ الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل في 19 اذار مارس وتصل إلى 95.5%، مما يعني أن الأسواق لا تزال تستبعد أي تخفيض قريب في الفائدة.
ولا يبدو لي أن الدولار يتأثر بشكل كبير بالتصعيد التجاري المستمر، حيث فرضت الصين بعض الرسوم الجمركية على السلع الأميركية كرد فعل على قرارات إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي بدورها أعلنت عن فرض ضريبة بنسبة 15% على الصلب والألمنيوم المستورد، وتدخل حيز التنفيذ في اذار مارس المقبل. عادةً ما تؤثر الحروب التجارية على ثقة المستثمرين، ولكن في هذه المرحلة، يبدو أن تأثيرها على الدولار محدود، ربما بسبب تركيز الأسواق بشكل أكبر على السياسة النقدية الأميركية.
وبرأيي شهدت أسواق الأسهم بعض التذبذب بعد خطاب باول، حيث سجل مؤشر داكس الألماني أعلى مستوى له على الإطلاق، في حين تحركت المؤشرات الأميركية ضمن نطاقات ضيقة. والمستثمرون ينتظرون إشارات أوضح من بيانات التضخم، وربما من تصريحات أخرى لمسؤولي الفيدرالي خلال الأيام المقبلة. ومن المتوقع أن يلقي رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، رافائيل بوسيك، كلمة قد تعطي المزيد من التلميحات حول توجهات الفيدرالي المستقبلية، إلى جانب تصريحات مرتقبة من كريستوفر والر، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وعلى المدى القصير، أعتقد أن يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار تداول مؤشر الدولار ضمن نطاق ضيق حتى يتم استيعاب بيانات التضخم بالكامل. واختراق المستوى 108.00 صعودًا قد يمهد الطريق لاختبار مستويات 110-112، خاصة إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع أو إذا واصل الفيدرالي التلميح إلى إبقاء الفائدة مرتفعة. وفي المقابل، أي مفاجأة سلبية في بيانات التضخم أو تصريحات أكثر ليونة من مسؤولي الفيدرالي قد تدفع بالمؤشر نحو مستوى 105، مع عودة الحديث عن إمكانية تخفيف السياسة النقدية لاحقًا هذا العام.
وبشكل عام، لا تزال الأسواق في حالة من الترقب، حيث لا يرغب المستثمرون في اتخاذ رهانات كبيرة قبل الحصول على مزيد من الوضوح بشأن السياسة النقدية الأميركية. وحتى الآن، لا يبدو لي أن الاحتياطي الفيدرالي مستعجل لتغيير مساره، وهذا ما يعزز استقرار الدولار في الوقت الحالي. ومع ذلك، فإن أي مفاجآت في البيانات الاقتصادية القادمة قد تعيد تشكيل المشهد، ما يجعل الفترة المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الدولار والأسواق المالية العالمية.