تخطي إلى المحتوى
دولية

الذهب في مزاج صاعد وسط ترقب الاجتماع الاميركي الروسي

الذهب في مزاج صاعد وسط  ترقب الاجتماع الاميركي الروسي

خاص – مجلة 24

يواصل الذهب تحركاته الصعودية رغم التحديات المتزايدة في المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي. فقد شهد المعدن النفيس عمليات شراء مكثفة عندما انخفضت الأسعار يوم أمس الأربعاء، مما يعكس ثقة المستثمرين في الملاذات الآمنة وسط حالة عدم اليقين السائدة. وتبقى برأيي، احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام محتمل بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن أوكرانيا تشكل تهديدًا لمكاسب الذهب، حيث قد تؤدي تهدئة التوترات الجيوسياسية إلى تحول المستثمرين نحو الأصول الأكثر خطورة. ورغم هذه الظروف السلبية، يبدو أن الذهب ماضٍ في طريقه لاختبار أعلى مستوى له على الإطلاق عند 2942 دولارًا، وهو ما يعكس استمرار الطلب القوي عليه .

ومن وجهة نظري، الارتفاع الأخير في سعر الذهب إلى 2920 دولارًا جاء رغم تجاهل الأسواق لبيانات مؤشر أسعار المستهلك في الولايات المتحدة لشهر كانون الثاني يناير. بعد أن كان من المفترض أن تؤثر هذه البيانات بشكل مباشر على توقعات الفائدة، ومن ثم على تحركات الذهب، ولكن يبدو أن التجار فضلوا التركيز على عوامل أخرى، مثل المفاوضات الجارية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتن، والتي قد تؤدي إلى اتفاق سلام يغير معادلة الأسواق. إلا أن تجاهل المستثمرين لهذه الاحتمالات يعكس قناعة راسخة لديهم بأن الذهب يبقى خيارًا آمنًا في ظل عدم اليقين المستمر .

كما يراقب المتداولون شهادة رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أمام الكونغرس الأميركي. فبيانات مؤشر أسعار المستهلك المرتفعة عززت الاعتقاد بأن الفيدرالي سيُبقي على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية لفترة أطول لمحاربة التضخم، وهو ما أدى إلى ارتفاع العائدات الأميركية خلال اليومين الماضيين. ومع ذلك، فإن تزامن ارتفاع الذهب مع ارتفاع العائدات الأميركية يعد أمرًا غير اعتيادي، حيث أن العلاقة التاريخية بينهما غالبًا ما تكون عكسية. وهذا التناقض يشير إلى أن الطلب على الذهب ليس مرتبطًا فقط بأسعار الفائدة، بل يتأثر بعوامل أخرى، مثل التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي العالمي .

أيضاً أرى أن الاتحاد الأوروبي يواصل اتخاذ مواقف حازمة ضد الإدارة الأميركية، حيث تعارض العديد من الدول الأوروبية نهج الرئيس ترامب فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا. وتُعد هذه الخلافات السياسية عاملاً إضافيًا يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي، مما قد يدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الذهب. كما أن ضعف مؤشر الدولار الأميركي، ساهم في دعم ارتفاع الذهب، حيث يجعل انخفاض الدولار المعدن الأصفر أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين .

وفي الوقت ذاته، تؤثر محادثات وقف إطلاق النار في أوكرانيا على الأصول الخطرة، مما يزيد من تقلبات الأسواق المالية. فمن الواضح أن المستثمرين يواجهون مفترق طرق بين المخاطر الجيوسياسية وتوقعات السياسة النقدية الأميركية. ففي حال نجحت المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا، فقد نشهد تراجعًا في الطلب على الملاذات الآمنة، مما قد يضغط على أسعار الذهب. لكن إذا استمرت حالة عدم اليقين أو تعثرت المحادثات، فمن المحتمل أن نشهد مزيدًا من التدفقات نحو الذهب .

أيضاً أرى تعليقات الرئيس الأميركي حول الوضع في الشرق الأوسط تزيد من حالة الترقب في الأسواق. فتهديده بتصعيد عسكري يضيف بعدًا جديدًا للمخاطر الجيوسياسية. وأي تصعيد في الشرق الأوسط قد يعزز من مكاسب الذهب، حيث يعتبر المستثمرون الذهب ملاذًا آمنًا في فترات الاضطرابات. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يعتمد بشكل كبير على مدى تصاعد التوترات أو احتوائها عبر الدبلوماسية .

وبالنظر إلى تطورات السياسة النقدية، ارتفعت احتمالات بقاء أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع حزيران يونيو المقبل إلى 64.3%، مقارنة بـ 50.3% قبل صدور بيانات التضخم. وهذا يدل على أن الاحتياطي الفيدرالي سيستمر في تبني نهج حذر في سياسته النقدية، وهو ما قد يؤثر على اتجاهات الذهب خلال الفترة المقبلة. فعادةً، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى الضغط على الذهب، نظرًا لأن الأصول التي تدر عوائد تصبح أكثر جاذبية. لكن في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، قد يظل الذهب محافظًا على مكاسبه، خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين في الأسواق .

وهنا يبدو لي أن الذهب في موقف قوي على المدى القصير، على الرغم من التحديات المحتملة. واستمرار تدفق الاستثمارات إلى الذهب يعكس إيمان المستثمرين بأنه لا يزال الأداة الأكثر موثوقية للتحوط ضد المخاطر. ومع ذلك، فإن السيناريو المستقبلي سيعتمد إلى حد كبير على تطورات المشهد الجيوسياسي، وقرارات السياسة النقدية الأميركية، وردود فعل الأسواق تجاه التغيرات الاقتصادية الكبرى. ففي حال فشل المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا، أو استمرت حالة عدم اليقين الاقتصادي، فقد نشهد المزيد من الارتفاعات للذهب. أما إذا نجحت هذه المحادثات وتم التوصل إلى اتفاق سلام، فقد يكون لذلك تأثير سلبي على الأسعار، ولو بشكل مؤقت .

وفي النهاية، يمكنني القول إن مستقبل الذهب لا يزال غامضاً، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية في تشكيل اتجاهاته. وبينما تبدو الأسواق متفائلة بمواصلة الاتجاه الصاعد، فإن التقلبات المحتملة تجعل من الصعب الجزم بمسار واضح. ومع ذلك، تبقى القاعدة الذهبية ثابتة: كلما زادت المخاطر وعدم اليقين، كلما زاد بريق المعدن الأصفر .