يواجه البيتكوين ضغوطًا متزايدة وسط ضعف الطلب المؤسسي وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي. وخلال الأيام العشرة الماضية، تماسك السعر بين 94,000 و100,000 دولار، بينما سجلت صناديق الاستثمار المتداولة في البيتكوين تدفقات خارجة كبيرة بلغت 650.80 مليون دولار حتى يوم الخميس، وهذا برأيي يعكس تراجع ثقة المستثمرين المؤسسيين. واستمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى مزيد من التصحيحات السعرية، خاصة مع ضعف ارتباط البيتكوين بالذهب مقارنة بعلاقته بمؤشرات الأسهم التقليدية، مما يجعله أكثر عرضة للتقلبات في بيئة اقتصادية غير مستقرة.
ومن وجهة نظري، تؤثر البيانات الاقتصادية الكلية الأميركية والتطورات الجيوسياسية على تحركات البيتكوين. فارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في كانون الثاني يناير أدى إلى تعديل توقعات الأسواق حول سياسة الفيدرالي الأميركي، مما زاد الضغوط على الأصول ذات المخاطر العالية، بما في ذلك البيتكوين. وفي الوقت نفسه، يواصل دونالد ترامب الدفع باتجاه تسوية النزاع الروسي الأوكراني، إلى جانب فرض تعريفات جمركية جديدة، مما يضيف حالة من عدم اليقين للأسواق المالية. وهذه العوامل قد تعرقل استقرار البيتكوين، ما لم يظهر تحسن في تدفقات الاستثمار المؤسسي أو زيادة في الطلب من قبل البنوك المركزية والدول الكبرى.
كما تشير التقارير إلى أن عشرين ولاية أميركية قد تكون على وشك إنشاء احتياطيات للبيتكوين، وهو ما يعد خطوة غير مسبوقة قد تؤدي إلى تحول جذري في الأسواق المالية العالمية. وأعتقد أنه إذا تمت الموافقة على مشاريع القوانين المعنية، فقد يتم شراء نحو 247,000 بيتكوين بقيمة تقدر بحوالي 23 مليار دولار. وهذا التحول من جانب الولايات قد يسبب زيادة غير مسبوقة في الطلب على هذه العملة المشفرة، مما يعزز من مكانتها ويؤدي إلى ضغوط متزايدة على المعروض منها. وفي حال تم تنفيذ هذه الخطة، ستكون هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها الولايات الأميركية مثل هذه الإجراءات تجاه العملات المشفرة، مما يشير إلى تغير جذري في النظرة نحو البيتكوين.
ولقد تطرق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى فكرة إنشاء احتياطي فيدرالي للعملات المشفرة في حملته الانتخابية، ورغم أن هذا الوعد لم يتم تنفيذه بالكامل نرى أن الولايات الفردية قد بدأت في اتخاذ خطوات ملموسة نحو هذه الفكرة. فعلى سبيل المثال، في ولاية يوتا، تم بالفعل تمرير مشروع قانون احتياطي بيتكوين إلى اللجنة المختصة، بينما تعمل ولايات مثل أوكلاهوما وأريزونا على الوصول إلى نفس المرحلة. ومع استمرار تقديم الولايات لمقترحاتها، يتضح أن هذا الاتجاه قد لا يقتصر فقط على الولايات الصغيرة أو المتوسطة بل يشمل أيضًا الولايات الكبرى، وهو ما قد يزيد من الضغط على السوق.
وإذا تم تمرير هذه القوانين، فإنها برأيي ستؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على بيتكوين بشكل غير مسبوق. ذلك أن الولايات ستكون ملزمة قانونًا بشراء كميات كبيرة من البيتكوين، وهو ما سيخلق طلبًا ضخمًا من جهة الحكومة المحلية. كما أن هذه القوانين قد تفتح المجال لاستثمارات صناديق التقاعد الحكومية في البيتكوين، وهو ما يعزز من الدعم المؤسسي للعملة. حيث تُقدر المشتريات المحتملة من قبل الولايات بحوالي 23 مليار دولار، وهو ما سيزيد من قيمة العملة المشفرة بشكل كبير. ومع اقتراب البيتكوين من أزمة العرض بالفعل، فإن هذه القوانين قد تساهم في تسريع ارتفاع الأسعار.
ومن وجهة نظري، هذه التحركات الحكومية قد تعزز من الطلب على البيتكوين من قبل المستثمرين العاديين أيضًا. فمن المحتمل أن يسارع الأفراد إلى شراء البيتكوين خوفًا من تفويت الفرصة في حال أصبحت العملة المشفرة أكثر قبولًا على المستوى الرسمي. وهذا التوجه قد يعكس تحولًا واسعًا في المفاهيم الاقتصادية، حيث يمكن أن يصبح البيتكوين جزءًا من الاحتياطيات المالية الرسمية، مما يغير من طريقة تعامل المستثمرين مع هذه العملة. بالإضافة إلى ذلك، مع وجود قوانين جديدة تلزم الولايات بشراء البيتكوين، قد يكون هناك تأثير قوي على معنويات المستثمرين الذين يتطلعون للاستفادة من هذا التوجه في الأسواق.
وفيما يتعلق بالعرض، يعتبر معروض البيتكوين محدودًا للغاية، وهو ما يعزز من احتمالية تأثير هذه الخطط الحكومية على السوق بشكل كبير. فمع حدود قصوى للعدد الإجمالي من العملات التي يمكن تعدينها، قد يواجه المعروض بالفعل ضغوطًا إذا زاد الطلب بشكل مفاجئ، خصوصًا إذا ما كانت الولايات ملزمة قانونًا بشراء كميات ضخمة من البيتكوين. وهذه المسألة قد تجعل البيتكوين أكثر عرضة لزيادة الأسعار نتيجة لقلة المعروض أمام الطلب المتزايد.
ولكن، يبقى التساؤل عن تأثير هذه الخطط على سوق العملات المشفرة ككل. فحتى لو لم يتم تمرير جميع مشاريع القوانين في الولايات المتحدة، فإن تأثير مجموعة قليلة منها قد يكون كافيًا لتغيير تحركات السوق. حيث ستساهم زيادة الطلب من الجهات الحكومية في تسريع تبني البيتكوين كأداة استثمارية آمنة ومقبولة على نطاق واسع، الأمر الذي قد يعزز من استقرار السوق في الأمد البعيد. ومع تزايد الاهتمام الحكومي، قد يرى البعض في ذلك بداية مرحلة جديدة من التنظيم الحكومي للعملات المشفرة، مما قد يساهم في زيادة المصداقية والقبول العام لهذه الأصول المشفرة.
وفي النهاية، تعد هذه التحركات الحكومية خطوة هامة نحو دمج البيتكوين في النظام المالي التقليدي، وهو ما يمكن أن يحدث تحولًا جذريًا في أسواق العملات المشفرة. وبينما تبقى هناك شكوك حول عدد المشاريع التي ستتم الموافقة عليها في النهاية، فإن حتى بعض القوانين الناجحة ستضيف ضغوطًا على الأسواق وقد تؤدي إلى موجة من الارتفاعات في الأسعار. وفي حال تم تنفيذ هذه الخطط، يمكن أن نشهد تحولًا كبيرًا في آلية تحركات العملة المشفرة، حيث ستصبح جزءًا من احتياطيات الدولة، مما يجعلها أكثر قبولًا لدى المستثمرين ويزيد من قيمتها بشكل كبير.