يتحرك مؤشر الدولار الأميركي (DXY) بتذبذب طفيف خلال تداولات الأربعاء، وسط حالة من الترقب الحذر في الأسواق قبيل صدور قرار السياسة النقدية من بنك الاحتياطي الفيدرالي. ويتداول المؤشر حالياً بالقرب من مستوى 98.55، منخفضاً بنحو 0.28% خلال الساعات الأوروبية المبكرة، بعد أن فشل في الحفاظ على مكاسبه الأخيرة التي شهدها في بداية الأسبوع. وفي رأيي، يعكس هذا السلوك السعري حالة من الانكماش المؤقت في زخم الدولار، نتيجةً لبيئة ضبابية تشوبها المخاوف الاقتصادية والشكوك الجيوسياسية، إضافة إلى ترقب المستثمرين لخطاب الاحتياطي الفيدرالي الذي سيكون حاسماً في تحديد اتجاه الدولار خلال الأسابيع المقبلة.
فالسوق لا تتوقع مفاجآت من الفيدرالي في اجتماعه الحالي، إذ ترجح معظم التقديرات تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير، مما يجعل التركيز الأكبر منصباً على نبرة الخطاب الرسمي ولغة بيان لجنة السوق المفتوحة. وقد أظهرت بيانات العقود الآجلة أن هناك احتمالًا يقترب من 80% لخفض سعر الفائدة في سبتمبر، يتبعه خفض آخر في تشرين الاول أكتوبر، وهذه التوقعات بتيسير نقدي قادم تمارس ضغطاً استباقياً على الدولار، مما يفسر جزءاً من ضعف المؤشر حالياً. ومن وجهة نظري، ما لم يحمل خطاب الفيدرالي إشارات واضحة لتمديد التشديد النقدي أو تخفيف وتيرة التيسير المتوقع، سيبقى الدولار تحت ضغط بيعي في المدى القصير.
والدافع الآخر خلف هذا الضعف في الدولار يعود إلى صدور بيانات اقتصادية أميركية أضعف من المتوقع، حيث أظهرت أرقام مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة تراجعاً بنسبة 0.9% في ايار مايو، وهو أسوأ من التوقعات التي كانت تشير إلى انخفاض بنسبة 0.7%. هذا التراجع يشير إلى تباطؤ في إنفاق المستهلكين، أحد أعمدة الاقتصاد الأميركي. وإذا أضفنا إلى ذلك انخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة 0.2% مقارنة بتوقعات ارتفاعه، فإن الصورة تتضح أكثر: الاقتصاد الأمريكي قد يكون في مرحلة تهدئة، وربما يكون قد وصل إلى ذروة التشديد النقدي. لذا أرى أن مثل هذه البيانات، عندما تتكرر، تعزز من حالة الاستعداد لدى الفيدرالي لتغيير نبرته نحو موقف أكثر تيسيراً، وهو ما يدفع بالدولار نحو مستويات دعم مهمة، أبرزها 98.00.
وعلى الرغم من هذا الضغط الفني والأساسي، يبقى هناك عنصر دعم محتمل للدولار، يتمثل في تزايد الطلب على الأصول الآمنة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، لاسيما في الشرق الاوسط. حيث تشهد المنطقة سلسلة من التصريحات والردود النارية، كان آخرها دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى "استسلام إيران غير المشروط"، وهو ما يعكس تصعيداً واضحاً في الخطاب السياسي. ومع انخراط عدة دول إقليمية في محاولات للتهدئة، يظل احتمال اندلاع مواجهة أوسع قائماً، مما قد يدفع المستثمرين إلى التمسك بالدولار باعتباره ملاذاً آمناً. ورغم ذلك، أرى أن تأثير هذا العامل سيكون مؤقتاً ما لم يتطور الصراع إلى مواجهات مباشرة تشمل الولايات المتحدة بشكل فعلي.
ويتداول مؤشر الدولار دون المتوسط المتحرك الأسمي لـ100 يوم، وهو ما يعزز النظرة السلبية على المدى القصير. كما أن مؤشر القوة النسبية يشير إلى زخم هبوطي مستمر، مما يدفعني لترجيح استمرار الانخفاض نحو منطقة الدعم 98.00–97.90، التي تمثل أولى المناطق التي قد تظهر فيها قوى شرائية دفاعية. إلا أن كسر هذا المستوى سيزيد من احتمالات الهبوط نحو 97.50 وربما 96.80 لاحقاً، ما لم يتغير السياق الأساسي. وفي المقابل، فإن أي محاولة ارتداد ستُواجه مقاومة قوية عند المستوى النفسي 100.00، وهو مستوى تم اختباره أكثر من مرة دون أن يتمكن المشترون من تأكيد اختراقه.
وإذا استمرت البيانات الاقتصادية في الولايات المتحدة بإظهار الضعف، ولم يقدم الفيدرالي إشارات قوية تعاكس التوقعات الحالية بشأن خفض الفائدة، فإن الدولار الأميركي سيظل عرضة للمزيد من الضغوط البيعية، حتى في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية. لكنني أعتقد أن التراجع لن يكون خطياً أو مستمراً بلا توقف، بل ستتخلله ارتدادات فنية قصيرة المدى، تغذيها عوامل متغيرة، مثل طلبات التحوط أو التصريحات المفاجئة من قبل مسؤولي الفيدرالي أو البيت الأبيض.
وفي المجمل، يمكنني القول إن الدولار الأميركي يمر حالياً بمرحلة انتقالية دقيقة، يتداخل فيها التأثير الاقتصادي المحلي مع الضغوط الجيوسياسية والخلفية النقدية. ويتحرك المؤشر في نطاق هابط تحكمه توقعات السوق بخفض الفائدة، وضعف البيانات الاقتصادية، في مقابل دعم جزئي من التوترات العالمية. وتبقى الأنظار موجهة إلى بيان الفيدرالي لاحقاً اليوم، والذي قد يحمل مفاجآت تغير قواعد اللعبة في كلا الاتجاهين. وحتى ذلك الحين، من المرجح أن يستمر الحذر والضغط البيعي، مع تركيز فني على مستوى 98.00 كحاجز دعم محوري قد يحدد مسار الدولار للأيام المقبلة.