شهد سعر الذهب ارتفاعًا ملحوظًا في مستهل جلسة التداول الأوروبية اليوم الاثنين ليتداول عند 3293 دولار، مدعومًا بجملة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي أعادت تسليط الضوء على المعدن الأصفر كأحد أبرز المؤشرات الحساسة للتقلبات السوقية. ومن وجهة نظري، فإن هذا الصعود ليس مجرد حركة تصحيحية ظرفية، بل يعكس تغيرًا تدريجيًا في توازن القوى بين الدولار الأمريكي والذهب، مدفوعًا بتزايد التوقعات على تحوّل وشيك في سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، بالإضافة إلى إشارات من الأسواق العالمية تُرجح تغيرًا في شهية المستثمرين تجاه المخاطرة.
وفي قلب هذا التوجه الصعودي للذهب يقف عاملان أساسيان: التفاؤل المحيط بإمكانية التوصل إلى صفقات تجارية بين الولايات المتحدة وعدد من شركائها الاستراتيجيين، وتنامي التوقعات بأن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي دورة خفض أسعار الفائدة في وقت أقرب من المتوقع. فالبيانات التي صدرت مؤخرًا عن انخفاض الإنفاق الشخصي والدخل في الولايات المتحدة في مايو، تدعم وجهة النظر القائلة بأن الاقتصاد الأمريكي بدأ يُظهر علامات تباطؤ ملموس، مما قد يُجبر صناع القرار النقدي على التحرك استباقيًا عبر التيسير النقدي. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الدولار سيكون عرضة للضعف، مما يدعم أسعار الذهب بطبيعة الحال، باعتباره سلعة مقومة بالدولار.
كما أن استعادة الذهب لبعض خسائره خلال الساعات الأوروبية المبكرة تعكس هذا المزاج المتغير في الأسواق، حيث تُفسر إشارات الضعف في البيانات الاقتصادية الأمريكية على أنها تبرير قوي لتراجع الدولار، مما يدفع المستثمرين نحو الأصول الحقيقية. ومع ترقب الأسواق لخطاب مرتقب من أعضاء الفيدرالي، وعلى رأسهم رافائيل بوستيك وأوستان غولسبي، فإن نبرة الخطاب المرتقبة ستكون حاسمة في تأكيد أو نفي هذا التحول المحتمل في السياسة النقدية. وأي تلميح بشأن نية الفيدرالي التوجه إلى خفض أسعار الفائدة، حتى ولو بشكل تدريجي، سيعزز من قوة الذهب نحو مزيد من المكاسب على المدى القصير.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن جزءًا كبيرًا من جاذبية الذهب يُبنى تقليديًا على اعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات. وعليه، فإن التحسن النسبي في الأوضاع الجيوسياسية – خاصة بعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في الشرق الاوسط، وما أُعلن عن قرب التوصل إلى اتفاقيات تجارية أمريكية – يُضعف من عنصر القلق العالمي، وبالتالي يُحد من اندفاع المستثمرين نحو الذهب من بوابة "الخوف". لذا أرى أن تباطؤ التصعيد الجيوسياسي أتاح المجال أمام المستثمرين لجني بعض الأرباح، مع تراجع المخاوف من تصعيد عسكري واسع النطاق، سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا.
ومع ذلك، أرى أن هناك مفارقة مثيرة للانتباه في هذا المشهد: فبينما يُفترض أن تحسن المزاج الجيوسياسي يضغط على الذهب، فإن نفس التطورات الإيجابية على صعيد التجارة والسياسة الدولية هي التي تُغذي التوقعات بخفض الفائدة، وهو ما يصب في مصلحة الذهب من جهة أخرى. وهذا التداخل يعكس أن الذهب اليوم لا يتحرك فقط كأصل ملاذ آمن، بل أيضًا كمؤشر حساس للسياسات النقدية والضغوط التضخمية.
وبالحديث عن الضغوط التضخمية، فإن بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الصادرة يوم الجمعة تؤكد استمرار التضخم في التباطؤ، وإن كان بشكل محدود، حيث ارتفع المؤشر الأساسي بنسبة 2.7% على أساس سنوي في مايو، مقارنة بـ2.6% في أبريل. ورغم أن هذه الأرقام جاءت أعلى من توقعات السوق، إلا أنها تشير إلى أن التضخم لا يزال بعيدًا عن مستويات الذروة التي سجلها في 2022، مما يُعزز القناعة بأن الاحتياطي الفيدرالي بات يمتلك الهامش اللازم للتحرك نحو خفض الفائدة، دون أن يُتهم بالتفريط في استهداف التضخم.
لذا أعتقد أن الذهب مرشح لمواصلة المكاسب خلال الأسابيع القليلة المقبلة، خاصة إذا أكد الفيدرالي في خطاباته المقبلة على نية التحرك التيسيري. ومع بقاء الدولار تحت ضغط البيانات الاقتصادية الضعيفة، فإن البيئة تصبح أكثر ملاءمة لصعود الذهب. غير أن هذا الصعود سيبقى مقيدًا مؤقتًا بمستويات شهية المخاطرة في الأسواق، والتي تتغذى بدورها على الأخبار السياسية والتجارية.
وعليه يمكنني القول إن الذهب حاليًا يقع عند تقاطع حساس بين السياسة النقدية والواقع الجيوسياسي. وإذا ما تواصلت الإشارات نحو خفض الفائدة بالتزامن مع استمرار هدوء الجبهات الدولية، فقد نشهد انتقال الذهب من كونه ملاذًا في أوقات الأزمة، إلى كونه أداة تحوط ذكية ضد انخفاض الدولار والسياسات النقدية الميسرة. وفي هذه الحالة، لن تكون المكاسب المؤقتة مجرد ارتداد عابر، بل بداية لموجة صعود جديدة أكثر قوة.
التحليل الفني
يُظهر الذهب تحركات فنية متباينة تعكس صراعًا بين الزخم الإيجابي طويل الأجل والضغوط السلبية قصيرة الأجل. فعلى المدى الطويل، لا يزال الاتجاه الصاعد قائمًا بفضل استقرار السعر فوق المتوسط المتحرك الأسي 100 يوم على الإطار الزمني اليومي، مما يمنح الذهب دعم للانطلاق مجددًا نحو مستويات أعلى. إلا أن هذا التفاؤل يصطدم بمؤشرات ضعف قصيرة الأجل، أبرزها استمرار تداول السعر ضمن قناة هابطة منذ القمة الأخيرة قرب 3,450 دولار، مع بقاء التداول دون المقاومة R1عند 3,322 دولار، والمتوسط المتحرك الرئيسي على الأربع ساعات، وهو ما يعكس ميلًا هبوطيًا محدودًا في الوقت الحالي والمدى القصير جدا.
ومن الناحية الفنية، يقع السعر حاليًا عند 3,296 دولار بعد ارتداد من دعم محوري عند 3,250-3,260 دولار، والذي يتقاطع مع الحد السفلي للقناة الهابطة. ويُعد هذا المستوى نقطة ارتكاز حاسمة، حيث إن اختراق المقاومة التالية عند 3,322 دولار قد يدعم السعر لاختبار 3,350 دولار، وهو أعلى مستوى سجله الذهب في 26 يونيو، وفي حال تجاوزه بثبات، فقد تمتد المكاسب إلى المستوى النفسي 3,400 دولار، ثم إلى 3,425 دولار عند الحد العلوي لنطاق بولينجر اليومي. وعلى الجانب الآخر، مؤشر القوة النسبية(RSI) على إطار الأربع ساعات خرج للتو من منطقة التشبع البيعي، مما يعزز احتمالات الارتداد الفني، لكنه لا يشير بعد إلى تغير مؤكد في الاتجاه بدون اختراق مقاومات رئيسية.
وفي حال فشل الذهب في تجاوز المقاومة الفنية قرب 3,302 ثم 3322 دولار وبقي محصورًا دونها، فقد يتعرض لضغوط بيعية متجددة تدفعه نحو اختبار دعم 3,250 دولار مجددًا، ومع كسر هذا المستوى سيستهدف السعر منطقة 3,220 دولار، ثم الدعم الحاسم عند 3,200 دولار. أما في حال كسر مستوى 3,170 دولار على الإطار اليومي، فستتغير النظرة العامة إلى سلبية بوضوح، مع احتمال اختبار قاع 15 مايو عند 3,120 دولار. وعليه، تبقى النظرة العامة للذهب إيجابية مشروطة باستعادة الزخم الصعودي أعلى المقاومة3302 ثم 3,322 دولار، في حين أن الهبوط دون مستويات الدعم المحورية سيعيد سيطرة البائعين على المشهد الفني قصير الأجل.
مستويات الدعم: 3,250 – 3,232 – 3,200
مستويات المقاومة: 3,297 – 3,322 – 3,397