تخطي إلى المحتوى
دولية

مؤشر الدولار يشهد حالة من الترقب وسط تقلبات اقتصادية وسياسية

 مؤشر الدولار يشهد حالة من الترقب وسط تقلبات اقتصادية وسياسية

مستقبل مؤشر الدولار يشهد حالة من الترقب وسط تقلبات اقتصادية وتجاذبات سياسية داخلية، تجعل من التنبؤ باتجاهاته مهمة شديدة التعقيد. فاستقرار المؤشر عند مستوى 96.38 يوم أمس الثلاثاء، وهو أدنى مستوى له منذ اذار فبراير 2022، يعكس ضعف الثقة في قدرة الاقتصاد الأميركي على الاستمرار في التعافي دون دعم نقدي إضافي. ورغم أن هذا التراجع ليس حادًا بشكل استثنائي، إلا أن ثباته عند هذه المستويات المتدنية يثير تساؤلات جوهرية حول اتجاه السياسة النقدية في الأشهر المقبلة، ومدى استعداد المستثمرين للاستمرار في الوثوق بالدولار كملاذ آمن .
حيث أن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، التي جاءت حذرة ولكن غير مستبعدة لاحتمال خفض الفائدة في تموز يوليو، ساهمت بشكل مباشر في ضعف أي محاولات ارتداد صعودية لمؤشر الدولار. فرغم أن الفيدرالي ما زال يتعامل بحذر مع فكرة التيسير النقدي، إلا أن مجرد التلميح بمرونة السياسة النقدية المستقبلية يدفع الأسواق إلى التسعير المسبق لاحتمال خفض الفائدة. ومن وجهة نظري، فإن هذا التلميح يعكس قلقًا متناميًا لدى المسؤولين من تباطؤ اقتصادي قد يصبح أكثر وضوحًا في الربع الثالث من العام 2025، خاصة مع تزايد المخاطر السياسية والتجارية.
كما أن التحسن الطفيف في مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 49.0 من 48.5، ورغم تجاوزه للتوقعات، لا يزال دون الـ50 التي تفصل بين الانكماش والنمو، مما يعني أن القطاع الصناعي الأميركي لم يخرج بعد من حالة التباطؤ. ورغم ذلك، فإن هذه القراءة تشير إلى وجود مقاومة نسبية في القطاع الإنتاجي تجاه الضغوط الاقتصادية، وهو ما قد يمنح الفيدرالي بعض الوقت قبل اتخاذ قرار بخفض الفائدة. غير أن استمرار هذه الأرقام دون المستوى المحايد لفترة طويلة قد يعزز من فرص التحرك النقدي التيسيري في تموز يوليو أو ايلول سبتمبر كحد أقصى.

أما الأسواق فتترقب باهتمام بيانات للتوظيف، والتي تمثل مؤشرًا مبكرًا على صحة سوق العمل الأميركي، وهو أحد المحاور الرئيسية في قرارات ا. ومع صدور بياناتJOLTS الفيدرالي العمل إلى 7.76 مليون وظيفة في مايو، تبدو سوق العمل الأمريكية في وضع جيد نسبيًا، مما قد يعقّد مهمة الفيدرالي في التوفيق بين ضعف النمو الصناعي وقوة التوظيف. وبرأيي هذا التباين بين مؤشرات الاقتصاد الحقيقي يجعل من قرار خفض الفائدة خطوة دقيقة، وقد يدفع الفيدرالي إلى انتهاج سياسة "الصبر الاستراتيجي" لجمع أكبر قدر ممكن من البيانات قبل اتخاذ القرار.

لكن العامل السياسي لا يقل أهمية عن المعطيات الاقتصادية في التأثير على الدولار، لا سيما مع مصادقة مجلس الشيوخ بفارق ضئيل على مشروع قانون الميزانية الذي وصفه الرئيس ترامب بـ"الضخم والجميل"، والذي من المتوقع أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الدين القومي خلال العقد القادم. ومثل هذه الخطوة ترفع من مستويات القلق في الأسواق العالمية بشأن استدامة السياسة المالية الأمريكية، وتدفع مؤسسات التصنيف الائتماني إلى مراجعة تقييمها لقدرة الولايات المتحدة على خدمة ديونها مستقبلاً. ومن المرجح أن تشكل هذه الضغوط المالية عبئًا إضافيًا على الدولار، خاصة في حال تزامنها مع خفض متوقع في أسعار الفائدة.
كما أن عودة التوترات التجارية بعد تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على اليابان ابتداءً من 9 يوليو، تعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحرب التجارية التي أدت في السابق إلى إضعاف الدولار أمام عملات مثل الين والفرنك. فمثل هذه التصريحات تؤدي إلى تآكل الثقة في السياسة الاقتصادية الأمريكية، وتدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول المقومة بالدولار لصالح ملاذات تقليدية أكثر استقرارًا.
ومن وجهة نظري، الأمر لا يتوقف عند الجوانب الاقتصادية أو التجارية فقط، بل يمتد إلى المخاوف المتزايدة بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بعد الهجمات المتكررة من ترامب على باول. وهذه التوترات السياسية الحساسة تضعف من صورة الدولار كعملة احتياطية عالمية، وتزيد من حالة التوتر داخل السوق، وتفتح المجال أمام المضاربين للضغط على الدولار أكثر، خصوصًا في ظل حالة الانقسام السياسي الواضحة داخل الكونغرس بشأن سياسات الإنفاق والضرائب.
وفي ظل هذه العوامل المعقدة، فإن تصريحات باول المستقبلية ستكتسب أهمية بالغة. وأي إشارة واضحة من باول إلى توقيت أو مستوى خفض الفائدة المرتقب قد تُحدث تحوّلًا في منحنى العائدات، وتدفع مؤشر الدولار إما نحو استعادة بعض من خسائره، أو إلى الانزلاق نحو مستويات أكثر انخفاضًا قد تقترب من حاجز 95.00 في الأسابيع المقبلة، إذا استمرت الضغوط الحالية دون انحسار.
وفي ضوء ما سبق، أرى أن الدولار الأمريكي يمر حاليًا بمرحلة مفصلية، يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي، وتلعب فيها التوقعات دورًا لا يقل أهمية عن البيانات الفعلية. ما لم يتم احتواء حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية والمالية في أقرب وقت ممكن، فإن الدولار مرشح للاستمرار في اتجاه هبوطي متوسط المدى، خاصة إذا جاءت بيانات التوظيف المقبلة دون التوقعات، وواصل الفيدرالي إرسال إشارات مرنة تجاه التيسير النقدي. فالأسواق لا تتحمل الغموض لفترة طويلة، والدولار يعكس اليوم نتيجة تراكم هذا الغموض.

التحليل الفني لـ مؤشر الدولار ( DXY ):

يُظهر الرسم البياني لمؤشر الدولار الأمريكي (DXY)على الإطار الزمني لأربع ساعات نمطًا هبوطيًا مكتملًا من خمس موجات وفقًا لنظرية إليوت، مع انتهاء محتمل للموجة الخامسة عند مستويات دعم قوية قرب 96.00. ويشير هذا إلى احتمال انتهاء الحركة الهابطة على المدى القصير، خاصة مع تراجع الزخم السلبي وفقًا لمؤشر الستوكاستيك، الذي يظهر دخولًا واضحًا في مناطق الايجابية بعد خروجه من التشبع البيعي، مما يدعم سيناريو حدوث ارتداد تصحيحي صعودي في الجلسات القادمة وعلى المدى القصير.
ومن الناحية الفنية، يكمن الدعم الأبرز حاليًا عند 96.00 – 96.20، وهو ما يتوافق مع القاع للموجة الخامسة، فيما يُعدّ مستوى 97.00 منطقة مقاومة قوية يجب مراقبتها، تليها منطقة 97.50 التي تمثل مقاومة رئيسية داخلية للموجة الرابعة السابقة. واختراق هذه المستويات قد يدفع المؤشر لاستهداف 98.00 وحتى 98.74، وهو مستوى مقاومة محورية يمثل بداية الهبوط الحاد السابق. وهذا السيناريو الصعودي يعتمد بشكل كبير على استقرار المؤشر فوق مستوى الدعم الحالي وتأكيد الإشارات الإيجابية من مؤشرات الزخم.مع ذلك، يجب الحذر من كسر الدعم 96.00، إذ أن الإغلاق أدنى هذا المستوى سيدعم استكمال الحركة الهابطة نحو 95.50 وربما 95.00، كما هو موضح بالسهم الأحمر في الرسم البياني. ويتعزز هذا السيناريو في حال تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الدولار، وتراجع بيانات التوظيف أو تصريحات تميل إلى التيسير النقدي من الاحتياطي الفيدرالي. لذا فإن تحركات السوق المقبلة ستكون مرتبطة بشكل وثيق بمعطيات اقتصادية منتظرة مثل تقرير ADPوخطاب باول، وهو ما يستوجب من المتداولين الحذر والتعامل مع السيناريوهين الصعودي والهبوطي بناءً على تطورات الزخم والكسر الفني للمستويات المحورية.
مستويات الدعم: 96.20 – 96.00 – 95.00

مستويات المقاومة: 97.00 – 97.50 – 98.74