تخطي إلى المحتوى
دولية

كيف تعيد مشتريات الصين والتوترات الجيوسياسية رسم خريطة الملاذات الامنة

  كيف تعيد مشتريات الصين والتوترات  الجيوسياسية رسم خريطة الملاذات الامنة

في توقيت بالغ الدلالة للأسواق العالمية، وتحديدًا مع افتتاح الاسواق الآسيوية اليوم، تجاوز سعر الذهب مستوى 5000 دولار للأونصة ليصل إلى نحو 5035 دولارًا، في مشهد أراه ليس مجرد حركة سعرية استثنائية، بل انعكاسًا مباشرًا لتحولات أعمق في بنية النظام النقدي العالمي وتوازنات الثقة بين العملات والأصول. فهذا الارتفاع القياسي لا يمكن فصله عن حالة القلق المتزايدة تجاه الدولار الأمريكي، ولا عن السلوك الاستراتيجي للبنوك المركزية، وعلى رأسها البنك المركزي الصيني، الذي يواصل شراء الذهب للشهر الخامس عشر على التوالي، في إشارة واضحة إلى إعادة تموضع طويلة الأجل وليست ظرفية.

ومن وجهة نظري، فإن العامل الأكثر حساسية في هذه المرحلة هو تصاعد المخاوف المتعلقة باستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، خاصة بعد التصريحات السياسية الأخيرة التي أعادت خلط الأوراق بين السياسة النقدية والسلطة التنفيذية. والأسواق بطبيعتها تكره الغموض، وحين يصبح البنك المركزي الأكبر في العالم عرضة لضغوط سياسية مباشرة أو غير مباشرة، فإن المستثمرين يسارعون إلى البحث عن أصول لا تخضع لقرارات بشرية أو اعتبارات انتخابية. هنا، يستعيد الذهب دوره التاريخي كأصل سيادي محايد، وهو ما يفسر برأيي هذا الزخم القوي في الطلب عليه، خصوصًا في ظل تراجع واضح في شهية الاحتفاظ بالدولار كملاذ آمن.

وضعف الدولار الأميركي، في تقديري، ليس مجرد نتيجة فنية لتقلبات أسعار الفائدة أو بيانات اقتصادية مؤجلة، بل هو تعبير عن تآكل تدريجي في الثقة، تغذيه المخاوف من تسييس السياسة النقدية، إضافة إلى العجز المالي المزمن والتوسع المستمر في الدين العام. لذلك، فإن أي سلعة مقومة بالدولار، وعلى رأسها الذهب، تستفيد تلقائيًا من هذا الضعف. وأرى أن تجاوز مستوى 5000 دولار ليس سقفًا نفسيًا نهائيًا، بل محطة انتقالية نحو نطاقات سعرية جديدة إذا استمرت هذه العوامل دون معالجة جذرية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الدور المحوري للصين في هذه المعادلة. واستمرار بنك الشعب الصيني في تعزيز احتياطياته من الذهب، ورفعها إلى أكثر من 74.19 مليون أونصة، يعكس استراتيجية واضحة تهدف إلى تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار، وتقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية والمالية المرتبطة به. من وجهة نظري، فإن هذه المشتريات ليست فقط أداة تحوط، بل جزء من رؤية أوسع لإعادة تشكيل النظام النقدي العالمي على المدى المتوسط والطويل، حيث يسعى الشرق، بقيادة الصين، إلى بناء منظومة أقل اعتمادًا على العملة الأميركية.

والتوترات الجيوسياسية المستمرة تضيف طبقة أخرى من الدعم لأسعار الذهب، لا سيما مع تطورات الملف النووي الإيراني والتصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن. صحيح أن أي تقدم إيجابي في المفاوضات قد يضغط على الذهب مؤقتًا، لكنني أرى أن تأثير ذلك سيكون محدودًا وقصير الأجل. السبب في ذلك أن الأسواق لم تعد تتعامل مع هذه الملفات كأحداث منفصلة، بل كجزء من حالة عدم يقين مزمنة باتت السمة الأبرز للنظام الدولي الحالي. وبالتالي، فإن الطلب على الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الذهب، سيظل قائمًا حتى في حال حدوث انفراجات سياسية جزئية.

ومن ناحية أخرى، يترقب المستثمرون بيانات سوق العمل الأميركية، وعلى رأسها تقرير التوظيف، لما له من تأثير مباشر على توقعات أسعار الفائدة. إلا أنني أعتقد أن قدرة هذه البيانات على كبح صعود الذهب أصبحت أضعف مما كانت عليه في السابق. فحتى في سيناريو بيانات قوية نسبيًا، فإن الصورة الأكبر المتمثلة في الضغوط السياسية، والتوترات الجيوسياسية، والتحولات في سياسات البنوك المركزية العالمية، ستبقى العامل الحاسم في توجيه بوصلة المستثمرين نحو الذهب.

وبناءً على ما سبق، أتوقع أن يحافظ الذهب على تداولاته فوق مستوى 5000 دولار خلال المرحلة المقبلة، مع احتمالات اختبار مستويات أعلى في حال استمرار ضعف الدولار أو تصاعد التوترات السياسية والنقدية. وقد نشهد فترات تصحيح فني طبيعية، لكنها في رأيي ستشكل فرص شراء أكثر منها إشارات انعكاس هابط. الذهب اليوم لم يعد مجرد أداة تحوط تقليدية، بل أصبح مؤشرًا صريحًا على مستوى القلق في النظام المالي العالمي.

وفي الخلاصة، أرى أن الارتفاع التاريخي للذهب هو رسالة واضحة من الأسواق مفادها أن الثقة باتت سلعة نادرة، وأن المستثمرين، سواء أفرادًا أو بنوكًا مركزية، يعيدون تعريف مفهوم الأمان المالي. ومع استمرار الصين في شراء الذهب، وتزايد الشكوك حول استقلالية الفيدرالي، وتنامي المخاطر الجيوسياسية، فإن المعدن الأصفر مرشح، من وجهة نظري، للبقاء في صدارة المشهد كأحد أهم أصول المرحلة القادمة، لا كمجرد ملاذ مؤقت، بل كركيزة أساسية في إعادة توازن النظام المالي العالمي.