تخطي إلى المحتوى
تحليل

الانتخابات: لحظة استعادة الدولة أو تكريس الانهيار

الانتخابات: لحظة استعادة الدولة أو تكريس الانهيار

كلّما امتلكنا شجاعة طيّ صفحات الألم، إمتلكنا في المقابل شجاعة فتح صفحة غياب الدولة. فالماضي، مهما كان موجعًا، لا يمكن أن يكون برنامج عمل. والتاريخ لا يُبنى على اجترار الخسارات، بل على تحويلها إلى دروس تؤسس لمستقبل مختلف. لبنان اليوم ليس أمام ترف السجال ولا رفاهية الخطاب الانفعالي، ولا يتحمل مسرحيات الإنقسام الطائفي العامودي، بل أمام ضرورة وطنية عنوانها: استعادة الدولة.

المرحلة التي يمرّ بها الشرق الأوسط هي مرحلة إعادة تشكيل أدوار وحدود ونماذج حكم. المنطقة تتحوّل، ومن لا يتقدّم بخطاب إصلاحي واضح، وبرنامج قابل للتنفيذ، سيجد نفسه خارج الزمن السياسي. في لحظات التحوّل الكبرى، لا تنجو الكيانات بالشعارات، ولا تنقذ بالأمنيات بل بإعادة بناء مؤسساتها على أسس صلبة.

من هنا فإن خوض الاستحقاق الانتخابي بلغة الذاكرة المتوترة هو هروب من مواجهة الحقيقة. الحقيقة أن الأزمة في لبنان ليست أزمة شعارات، بل أزمة نظام إدارة؛ ليست أزمة خطابات، بل أزمة مؤسسات ومساءلة. لقد سقطت أوهام كثيرة، وبات واضحًا أن المشكلة ليست في النصوص الدستورية بقدر ما هي في طريقة تطبيقها، وفي اختطاف الدولة لصالح شبكات مصالح متداخلة بين السياسة والمال والطائفة والإدارة.

لذلك فإن أي خطاب لا يضع الإصلاح في صلب أولوياته هو خطاب بلا مستقبل. الإصلاح ليس عنوانًا تجميليًا، ولا فقرة إنشائية في بيان انتخابي، بل مسار متكامل يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها:

هل هي أداة محاصصة ؟ أم إطار جامع يضمن الحقوق ويصون المصلحة العامة؟

استعادة الدولة تعني أولًا:

قضاء مستقل فعليًا، لا خاضعًا للمحاصصة.

إدارة عامة تقوم على الكفاءة لا على الزبائنية.

مالية عامة شفافة تُقفل مزاريب الهدر بدل فرض ضرائب عشوائية.

اقتصاد منتج يحرّر الناس من الارتهان السياسي.

مؤسسات رقابية تُحاسب بلا خطوط حمراء.

لكن استعادة الدولة لا تعني فقط إصلاح المؤسسات، بل تتضمن إعادة بناء العقد الاجتماعي أيضاً

فالدولة ليست مباني وإدارات فحسب، بل علاقة ثقة بين المواطن والسلطة. هذه الثقة لا تُستعاد بالوعود، بل بخطة واضحة: ماذا سنغيّر؟ كيف؟ وخلال أي مهلة؟ وبأي مؤشرات قياس؟

الرهان الرابح في أي استحقاق هو تقديم مشروع تنفيذي محدد الأهداف والجدول الزمني. الناس لم تعد تصوّت على أساس الخوف أو العصبية، بل على أساس القدرة على الإنقاذ. لم تعد تقبل خطاب تعبئة عاطفية، بل تطالب بخطة قابلة للمحاسبة.

الانتقال إلى مرحلة جديدة يعني الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق بناء الدولة؛ من ثقافة الولاء للأشخاص والطوائف إلى ثقافة الولاء للمؤسسات؛ من إدارة الأزمات بالمسكنات إلى معالجة جذورها البنيوية.

إن الإصلاح الحقيقي يتطلّب قرارًا سياسيًا شجاعًا:

فكّ الاشتباك بين السياسة والإدارة، بين النفوذ والمرفق العام، بين السلطة والمصلحة الخاصة. لبنان لا يحتاج إلى مصالحة مع الماضي بقدر ما يحتاج إلى مصالحة مع فكرة الدولة. ولا يحتاج إلى إعادة سرد الحكايات القديمة، بل إلى كتابة عقد وطني جديد أساسه: الشفافية، المساءلة، تكافؤ الفرص، وسيادة القانون على الجميع.

المعركة اليوم ليست بين أطراف سياسية، بل بين نموذجين:

نموذج يحتمي بالماضي ليبرّر عجزه، ويستثمر في الانقسام ليحافظ على امتيازاته؛

ونموذج إصلاحي يواجه الواقع بشجاعة ليغيّره، ويضع استعادة الدولة فوق أي اعتبار فئوي.

استعادة الدولة ليست شعارًا انتخابيًا، بل شرط بقاء. فإما دولة قانون ومؤسسات، وإما استمرار التفكك المقنّع. ومن يملك مشروع الإصلاح المتكامل، الواضح، القابل للتنفيذ، هو من يملك المستقبل.