تخطي إلى المحتوى
تحليل

*‏‎‎‎‎الحلول والمعالجة يجب أن تولد من رحم التشخيص وليس التوصيف او التصنيف.*

*‏‎‎‎‎الحلول والمعالجة يجب أن تولد من رحم  التشخيص وليس التوصيف او التصنيف.*

الأزمة اللبنانية نظامية في نتائجها، لأنها طالت مختلف مكونات الاقتصاد والمجتمع والدولة، لكنها ليست نظامية بالضرورة في أسبابها، لأن من الخطأ تحميل المجتمع بأكمله مسؤولية إنتاج الأزمة نفسها. فهناك فرق جوهري بين أزمة امتد تأثيرها إلى الجميع، وبين أزمة صنعها وأدارها أصحاب القرار والسياسات والمؤسسات المعنية بالرقابة والتنفيذ.

ومن هنا، حتى لو جرى التسليم بأن الأزمة أصبحت نظامية بحكم اتساعها وتشابكها، تبقى المسؤولية الأساسية مركّزة لدى السلطات وأصحاب الاختصاص الذين امتلكوا صلاحيات القرار والرقابة والمعالجة، سواء في مصرف لبنان أو في السلطة السياسية والتنفيذية والرقابية أو في إدارات المصارف نفسها.

لكن الإشكالية الأخطر تكمن في أن المماطلة في إقرار الحلول وتنفيذ الإصلاحات غيّرت طبيعة الأزمة نفسها مع مرور الوقت. فبدلاً من احتواء الخسائر وتوزيعها بعدالة وشفافية، جرى عملياً استخدام عامل الزمن كأداة لإعادة تشكيل الأزمة وتقليص حجمها المحاسبي على حساب المودعين والاقتصاد والمجتمع. وهكذا، تحوّل جزء كبير من كلفة الانهيار تدريجياً نحو أصحاب الودائع والقوة الشرائية والطبقة الوسطى.

وهنا تبرز جدلية أساسية بعد سبع سنوات على الانهيار: هل نحن أمام توصيف للأزمة، أم تصنيف لها، أم تشخيص فعلي لأسبابها وآليات معالجتها؟ لأن الفرق كبير بين استخدام مصطلحات تقنية لوصف ما حدث، وبين امتلاك الإرادة السياسية والمؤسساتية للاعتراف بمصدر الأزمة وتحديد المسؤوليات ووضع حلول فعلية لها.

والأخطر أن جزءاً من المقاربة الرسمية والمالية للأزمة بدا وكأنه يقوم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الرهان على عامل الوقت لا كوسيلة لمعالجة الانهيار، بل كأداة لإعادة تشكيله وتقليص حجمه المحاسبي تدريجياً. فبدلاً من الاعتراف المبكر بالخسائر، وتوزيعها بصورة عادلة وشفافة، ووضع خطة تعافٍ واضحة المعالم، تُرك الاقتصاد والمجتمع يواجهان عملية استنزاف طويلة وبطيئة نقلت القسم الأكبر من الكلفة إلى المواطنين أنفسهم.

فمع مرور الوقت، أدّى التضخم المفرط وانهيار سعر الصرف إلى تآكل القيمة الفعلية للودائع والأجور والمدخرات. وكلما طال أمد الأزمة، تقلّصت عملياً القيمة الحقيقية للفجوة المالية قياساً بالدولار الحقيقي، لكن ليس نتيجة إصلاحات أو استعادة للنمو، بل نتيجة سحق القدرة الشرائية وإفقار المجتمع. بمعنى آخر، جرى امتصاص جزء من الخسائر عبر المجتمع نفسه، لا عبر معالجة أصل المشكلة.

وفي الوقت نفسه، تحوّل غياب الحلول إلى سياسة بحد ذاته. فالتأخير في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والتردد في إقرار القوانين الإصلاحية، وغياب رؤية واضحة لتوزيع الخسائر، سمح باستمرار اقتصاد مشوّه يقوم على النقد الورقي، والتفلّت المالي، والتكيّف القسري للمواطنين مع واقع الانهيار. وهكذا، أصبح اللبناني يموّل جزءاً من كلفة الأزمة يومياً من خلال تآكل دخله، وتراجع خدمات الدولة، وخسارة قيمة مدخراته، وارتفاع كلفة الحياة، بدل أن تتحمل المؤسسات المعنية مسؤولياتها بصورة واضحة ومباشرة.

الأخطر من ذلك أن الرهان على الوقت حمل في طياته افتراضاً ضمنياً شديد الخطورة: أن المجتمع سيتعب قبل السلطة، وأن المودع سيقبل تدريجياً بخسائره تحت ضغط الحاجة والواقع، وأن الاقتصاد سينتج مع الوقت توازناً جديداً ولو كان قائماً على الفقر، والهجرة، وتقلص الطبقة الوسطى، وتراجع دور الدولة. وكأن المطلوب لم يكن استعادة النظام المالي، بل إعادة تكييف المجتمع مع انهياره.

لذلك، لم يعد الوقت عاملاً محايداً في الأزمة اللبنانية. لقد تحوّل إلى أداة مالية واقتصادية وسياسية لإعادة توزيع الخسائر بصورة غير معلنة. وكل يوم تأخير إضافي لم يكن مجرد فشل في اتخاذ القرار، بل كان قراراً بحد ذاته، لأن كلفة الانتظار كانت تُدفع يومياً من جيوب اللبنانيين، ومن مستقبل الاقتصاد، ومن الثقة التي تشكل أساس أي نظام مصرفي أو نقدي.

وهنا يُطرح السؤال الأكثر حساسية بعد سنوات من الانهيار: هل ما زال التدقيق الجنائي ينفع اليوم؟

الجواب الواقعي هو نعم، ولكن ليس بالطريقة التي كان يمكن أن ينفع بها في بداية الأزمة. فالتدقيق الجنائي كان يفترض أن يكون نقطة انطلاق مبكرة لكشف الحقائق، وتحديد المسؤوليات، ووقف النزيف، واستعادة الحد الأدنى من الثقة الداخلية والخارجية. أما اليوم، وبعد سنوات من التدهور، فإن جزءاً كبيراً من الخسائر وقع فعلاً، وجزءاً كبيراً من الأموال تبدّد أو تغيّر موقعه أو قيمته أو طبيعته، فيما تبدّلت الوقائع الاقتصادية والنقدية بصورة عميقة.

‏لكن هذا لا يعني أن التدقيق الجنائي فقد قيمته بالكامل. أهميته اليوم انتقلت من محاولة منع الانهيار إلى محاولة فهمه وتوثيقه وتحديد كيفية حصوله. فالدول لا تُبنى فقط على الحلول المالية، بل أيضاً على الذاكرة المؤسسية والمحاسبة. ومن دون كشف المسارات التي أوصلت لبنان إلى هذا الانهيار، سيبقى خطر إعادة إنتاج النموذج نفسه قائماً ولو تحت أسماء جديدة.

التدقيق الجنائي، إذا أُنجز بجدية واستقلالية، يمكن أن يجيب عن أسئلة لا تزال حتى اليوم ضبابية أو متنازعاً عليها:

١. من اتخذ القرارات؟

٢. من كان يعلم؟

٣. متى ظهرت المؤشرات الحمراء؟

٤. كيف استُخدمت أموال المودعين؟

٥. ما حجم المسؤولية السياسية والرقابية والمصرفية؟

٦. وهل كانت هناك استفادة خاصة أو تضارب مصالح أو إخفاء متعمّد للحقائق؟

كما أن للتدقيق الجنائي وظيفة تتجاوز الداخل اللبناني. فالمجتمع الدولي، والمؤسسات المالية، وحتى المستثمرون المحتملون، لا ينظرون فقط إلى حجم الخسائر، بل أيضاً إلى طريقة تعامل الدولة معها. وهناك فرق كبير بين دولة تواجه أزمة وتحاول كشف الحقيقة، ودولة تتهرب من الحقيقة أو تدفنها تحت التعقيدات التقنية والسياسية.

ومع ذلك، يبقى الخطر الأكبر أن يتحوّل التدقيق الجنائي نفسه إلى مجرد شعار سياسي أو أداة إعلامية متأخرة تُستخدم لإظهار النية بالإصلاح من دون إرادة فعلية بالمحاسبة. فالتدقيق بحد ذاته لا يكفي إذا لم يترافق مع قضاء مستقل، وإصلاحات مؤسساتية، وإرادة سياسية حقيقية لتحويل النتائج إلى مساءلة وقواعد جديدة للحكم المالي والنقدي.

لذلك، نعم، ما زال التدقيق الجنائي ينفع، لكن ليس كأداة سحرية لاستعادة ما ضاع، بل كخطوة ضرورية لكشف الحقيقة، ومنع طمس المسؤوليات، ووضع حد لفكرة أن الانهيارات الكبرى يمكن أن تمرّ بلا ذاكرة وبلا محاسبة.