تخطي إلى المحتوى
تحليل

تعميم مصرف لبنان الأساسي رقم 150: الأمان الزائف في نظام مالي متصدّع

تعميم مصرف لبنان الأساسي رقم 150:  الأمان الزائف في نظام مالي متصدّع

منذ صدور التعميم الأساسي 150 عن مصرف لبنان، ساد انطباع واسع لدى شريحة من اللبنانيين بأن "لأموال الطازجة" -Fresh Money- أصبحت في منطقة آمنة. قيل إن هذه الأموال موضوعة في مصارف مراسلة في الخارج، ومفصولة عن الودائع القديمة، ومحميّة من مصير النظام المنهار. بدا الأمر وكأنه إنشاء جدار ناري يفصل الجديد عن القديم، والسليم عن الموبوء.

لكن في الأزمات النقدية، ما يبدو آمناً قد لا يكون محصناً.

التعميم 150 لم يكن خدعة، لكنه لم يكن حلاً أيضاً. كان أداة احتواء. هدفه الأساسي كان منع الأموال الجديدة من أن تُبتلع في فجوة الخسائر المتراكمة. هو تعميم يتعلّق بمكان وجود المال، وبكيفية عزله عن بيئة نقدية متصدّعة. بمعنى آخر، هو يتعامل مع طبقة "حفظ الأصول"، لا مع جوهر الأزمة. الخطر هنا ليس في سوء النية، بل في سوء الفهم.

الفصل بين الأموال الجديدة والقديمة لا يعيد رسم هرمية الحقوق، ولا يمنح هذه الأرصدة حصانة فوق القانون أو فوق ميزانيات المصارف. المودع، مهما تغيّر توصيف حسابه، يبقى دائناً للمصرف المحلي، لا للمصرف المراسل في الخارج. هذا التفصيل ليس تقنياً؛ إنه جوهري. لأنه في لحظة إعادة هيكلة شاملة أو تعثّر مصرفي جديد، لن يُسأل أين وُضعت الأموال، بل من هو صاحب الالتزام القانوني بها.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز التهرب منه: هل الأرصدة المُنشأة بموجب تعميم مصرف لبنان الأساسي رقم 150 محصّنة بنص صريح لا يحتمل التأويل أو الاجتهاد؟ أم أنها قد تُدمج، عند أول صدمة جدية، في منطق “المعالجة الجماعية” تحت ضغط سياسي أو مالي، كما حدث في تجارب عديدة حول العالم؟

التاريخ النقدي قاسٍ في هذا المجال. في الأزمات الكبرى، لا تبقى القواعد القانونية نصوصاً جامدة؛ تتحول إلى أدوات قرار. وعندما يتصادم الاستقرار السياسي مع حقوق الدائنين، تميل الكفة غالباً نحو إدارة الأزمة لا نحو حماية المطالبات الفردية.

ثم إن عنصر “الأمان” في التعميم 150 ليس بنية سيادية مستقلة، بل هو قائم على استمرار علاقات المصارف المراسلة. هذه العلاقات ليست حقاً مكتسباً، بل امتيازاً مشروطاً. فماذا يحدث إذا شددت المصارف المراسلة شروطها بفعل ضغوط الامتثال؟ ماذا لو أعادت تسعير المخاطر المرتبطة بلبنان؟ ماذا لو قررت تقليص انكشافها على نظام يُصنّف عالياً في المخاطر؟

عندها، يسقط جزء أساسي من سردية الأمان.

ولا يمكن تجاهل أن لبنان لا يزال على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، ويتصدر قائمة الدول العالية المخاطر لدى الاتحاد الأوروبي. في مثل هذا السياق، الحديث عن حصانة مطلقة يصبح أقرب إلى طمأنة نفسية منه إلى ضمانة قانونية صلبة.

الجدار الناري قد يخفف الحرارة. لكنه لا يمنع الحريق إذا اشتدّت الرياح.

التعميم 150 خفّف مخاطر السيولة. لكنه لم يعالج مشكلة الملاءة. لم يسد الفجوة المالية. لم يعالج الترابط الخطير بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية. لم يحدد بوضوح هرمية الخسائر.

هو أعاد الحركة. لكنه لم يُعد العدالة.

الأخطر هو الشعور بالاطمئنان. حين يقتنع الناس بأن "الأموال الطازجة بأمان"، تخفّ الضغوط السياسية لمعالجة أصل المشكلة. يتحول الاحتواء المؤقت إلى واقع دائم. ويصبح النظام ثنائياً: أموال تعمل، وأموال عالقة.

هذا ليس استقراراً؛ إنه تأجيل منظّم.

التعميم 150 نجح في منع الشلل الكامل. لكنه لا يستطيع أن يمنع تكرار الأزمة إذا لم تُستكمل الإصلاحات البنيوية. الفصل التنظيمي لا يعادل الحصانة الهيكلية.

المال قد يكون في الخارج. لكن المخاطر تبقى في الداخل.

والسؤال الحقيقي ليس: هل التعميم 150 أفضل من لا شيء؟ بل: هل نسمح له أن يتحوّل إلى بديل عن الإصلاح الشامل؟