تحرك زوج اليورو/الدولار الأميركي في نطاق جانبي حتى الآن اليوم، بعد أن هبط إلى أدنى مستوياته منذ تشرين الثاني نوفمبر إثر يومين من التراجعات الملحوظة.
قد يكون اليورو عرضة لمزيد من الانخفاضات الحادة التي قد تقرّبه من مستوى التعادل مع الدولار، في ظل مخاوف من عودة أزمة طاقة وضغوط تضخمية. ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، في بيئة تتسم بمستوى منخفض نسبياً من القلق في سوقها، ومع إدراك أن الدولار لا يزال يمتلك هامشاً إضافياً للصعود، يضع العملة الأميركية في موقع متقدم لمواجهة كبيرة، على غرار ما أشرنا إليه في عام 2022.
أدى إغلاق مضيق هرمز واستهداف البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط في خضم الحرب المشتعلة مع إيران إلى ارتفاع حاد في عقود النفط والغاز الآجلة، ما يهدد بعودة أزمة طاقة وموجات تضخم في منطقة اليورو.
كان التضخم قد بدأ بالفعل في الارتفاع حتى قبل اندلاع الحرب، إذ صعد تضخم منطقة اليورو على نحو غير متوقع إلى 1.9% في اذار فبراير. يزداد المشهد تعقيداً مع انخفاض مستويات تخزين الغاز والهجمات الأخيرة على البنية التحتية للطاقة في قطر، ما يترك صناع السياسات أمام معادلة دقيقة بين مخاطر تضخم أسعار الطاقة واحتمال أن تؤدي حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى إضعاف الاستثمار والنمو الاقتصاديين، وفقاً لما أوردته وول ستريت جورنال.
كان البنك المركزي الأوروبي قد صرّح سابقاً بأن سياسته النقدية في “وضع جيد”. غير أن وصول خام غرب تكساس الوسيط إلى أعلى مستوياته منذ 2023، وتضاعف سعر تسوية عقود الغاز الطبيعي الهولندي TTF تقريباً مقارنة بإغلاق يوم الجمعة، يفتح المجال أمام تحول أكثر تشدداً في السياسة إذا ما ثبتت استدامة هذه الصدمات.
أدت التطورات الأخيرة إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو، ما قد يبدد الآمال في مزيد من التيسير من قبل البنك المركزي الأوروبي. كذلك، يتقلص الفارق بين عوائد السندات الأميركية والألمانية، وهو عامل كان من شأنه دعم اليورو. غير أن احتمالية بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول في الولايات المتحدة، إلى جانب صمود سوق السندات الأمريكية، وهشاشة منطقة اليورو أمام ارتفاع التضخم والفائدة، تفرض ضغوطاً هبوطية كبيرة على العملة الأوروبية.
لا يزال مؤشر ICE BofAML MOVE يحوم قرب أدنى مستوياته المسجلة في 2021، حتى بعد الارتفاع الأخير الملحوظ يوم الجمعة وأمس. يشير هذا الاتجاه إلى استمرار ثقة المستثمرين الكبيرة في سوق سندات الخزانة الأمريكية، ما يساهم في ارتفاع العوائد ويغذي قوة الدولار.
أظهر الاقتصاد الأميركي قدرة على الصمود في مواجهة ارتفاع تكاليف الاقتراض، في حين عانت منطقة اليورو من صعوبات واضحة. تشير استطلاعات متعددة نُشرت خلال السنوات القليلة الماضية عقب موجة التضخم إلى أن منطقة اليورو لم تتمكن من الحفاظ على وتيرة نمو مستدامة في هذه البيئة الاقتصادية، وهو ما يهدد بدفع اليورو إلى مسار هبوطي ممتد.
أفادت هذه الاستطلاعات، بما في ذلك تقارير مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن S&P Global، ومؤشر مناخ المستهلك من GfK، ومؤشر مناخ الأعمال الصادر عن ifo، ومؤشر ثقة المستثمرين من Sentix، بأن ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة أدى إلى انكماش الأنشطة عبر مختلف قطاعات الاقتصاد.
ما التالي؟
على الجانب الإيجابي، إذا تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من كبح قدرات إيران الصاروخية وقدرات الطائرات المسيّرة بفعالية قريباً، فقد تتراجع سردية التضخم وارتفاع الفائدة، ما يعزز موقع اليورو. إلا أنه لا توجد حتى الآن أدلة قوية على أن إيران ستوقف هجماتها، حتى في ظل حملة ضربات جوية مكثفة ومتواصلة. قد تجعل الطبيعة الجبلية والمساحات الشاسعة لإيران العمل العسكري الجوي غير كافٍ. قد لا يتحقق هذا السيناريو لعدة أسابيع، ما يترك مجالاً إضافياً أمام تراجع اليورو.
إذا طال أمد الحرب، سنشهد كيفية عودة أسواق النفط والغاز إلى التوازن. الأسعار المرتفعة تشجع المنتجين على زيادة المعروض في السوق، ما يدفع الأسعار لاحقاً إلى الانخفاض. قد يسهم هذا التكيف في دعم تعافي اليورو.
يتمثل السيناريو الأسوأ في إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للنفط والغاز في المنطقة، ما يؤدي إلى تعطيل الإمدادات لفترة ممتدة. في هذه الحالة، قد تبقى أسعار الطاقة مرتفعة لأشهر، ما يعمّق أزمة منطقة اليورو ويدفع العملة الأوروبية إلى الهبوط، وربما إلى مستوى التعادل مع الدولار أو دونه.