تخطي إلى المحتوى
تحليل

اقتصاد الفوضى: كيف يمكن لتهديد بكلفة دولار واحد أن يكلف لبنان ملايين الدولارات!

اقتصاد الفوضى: كيف يمكن لتهديد بكلفة  دولار واحد أن يكلف لبنان ملايين الدولارات!

في عصر الحروب الهجينة، لم تعد المعارك تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات. أحياناً يكفي منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا ما حدث عندما نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تهديداً موجهاً إلى سكان الضاحية الجنوبية لبيروت عبر منصة آكس.

كلفة الرسالة تكاد لا تُذكر. ربما لا تتجاوز دولاراً واحداً من حيث الموارد التقنية. لكن نتائجها داخل لبنان كانت مختلفة تماماً.

خلال دقائق فقط، انتشرت حالة هلع جماعي. بدأت حركة نزوح عشوائية، امتلأت الطرقات، وتحوّلت مناطق واسعة من بيروت إلى مشهد فوضوي. العائلات بحثت عن مأوى، المدارس والبلديات فتحت أبوابها لإيواء النازحين، والمؤسسات تعطلت. الكلفة المباشرة لهذه الفوضى تُقاس بملايين الدولارات. أما الكلفة النفسية والاجتماعية، فهي أكبر بكثير ولا يمكن تقديرها بسهولة.

ما حدث ليس مجرد حادثة إعلامية. إنه اختبار قاسٍ لقدرة الدولة اللبنانية على أداء وظيفتها الأساسية: حماية المواطنين وطمأنتهم.

في الدول المستقرة، عندما يصدر تهديد خارجي، يتجه المواطنون فوراً إلى الدولة للحصول على التوضيح والحماية. في لبنان يحدث العكس. المواطن يتصرف فوراً وكأن الدولة غير موجودة. يتخذ قراراته الأمنية بنفسه، لأن الثقة بقدرة السلطة على إدارة الأزمة ضعيفة أو معدومة.

هذه ليست مسألة أمنية فقط. إنها مسألة اقتصاد سياسي.

الاقتصاد الحديث يقوم على عنصر بسيط لكنه حاسم: الثقة. المستثمر، التاجر، السائح، وحتى المواطن العادي، يتخذ قراراته بناءً على توقعه للاستقرار. عندما يصبح بلد ما عرضة للفوضى خلال دقائق بسبب منشور على وسائل التواصل، فإن ذلك يرسل إشارة خطيرة إلى العالم.

المشكلة هنا ليست في التهديد ذاته. التهديدات جزء من أي صراع إقليمي. المشكلة الحقيقية هي هشاشة البيئة الداخلية التي تسمح لتحذير إعلامي أن يتحول إلى اضطراب وطني واسع.

من الناحية الاقتصادية، هذه الحالة ترفع ما يسميه الاقتصاديون علاوة المخاطر السيادية. أي أن كلفة الاستثمار والتمويل في بلد كهذا تصبح أعلى، لأن المخاطر غير قابلة للتنبؤ. هذه ليست نظرية مجردة. إنها واقع ينعكس في انخفاض الاستثمار، وتراجع النشاط الاقتصادي، واستمرار هجرة الكفاءات.

الحل لا يكمن في تجاهل التهديدات، بل في معالجة مصدر الهشاشة نفسه: ضعف احتكار الدولة للقرار الأمني. الدولة التي لا تملك السيطرة الكاملة على الجغرافيا وعلى قرار الحرب والسلم، تجد نفسها دائماً في موقع رد الفعل.

لهذا السبب يصبح انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطته الفعلية على كامل الأراضي مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة أمنية. الأمن ليس مجرد قضية عسكرية؛ إنه بنية تحتية أساسية للاقتصاد. من دونها، تصبح كل خطة إصلاح أو إنقاذ اقتصادي مجرد كلام.

ما حدث يوضح حقيقة مؤلمة: لبنان يدفع اليوم ثمن العيش في منطقة رمادية بين الدولة واللادولة. في هذه المنطقة، يمكن لرسالة بتكلفة دولار واحد أن تولّد خسائر بملايين الدولارات.

وهذا ليس اقتصاداً طبيعياً. إنه اقتصاد الفوضى