تخطي إلى المحتوى
تحليل

انتعاش حذر للفضة: كيف سيكون تأثير تراجع الدولار وتعقيدات المشهد الجيوسياسي؟

انتعاش حذر للفضة: كيف سيكون تأثير  تراجع الدولار وتعقيدات المشهد الجيوسياسي؟

يشهد سوق الفضة في المرحلة الراهنة حالة معقدة من التفاعل بين العوامل النقدية والجيوسياسية قرب 73.89 دولار، وهو ما يجعل أي قراءة سطحية لحركة الأسعار مضللة إلى حد كبير. ومن وجهة نظري ، فإن التحرك الأخير في سعر الفضة لا يمكن اعتباره تحولاً هيكلياً بقدر ما هو استجابة تكتيكية لتراجع الدولار الأميركي عن مكاسبه الاخيرة. وهذا التراجع أعاد بعض الجاذبية النسبية للفضة، خاصة في ظل العلاقة العكسية التقليدية بين الطرفين، لكنه لم يكن كافياً لتغيير الصورة العامة التي لا تزال تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

وعند النظر إلى تحركات السوق ، حيث اقتربت الفضة من مستوى 74.00 دولار، أرى أن هذا الصعود يعكس بالدرجة الأولى إعادة تسعير قصيرة الأجل من قبل المستثمرين الذين استغلوا ضعف الدولار كمحفز للدخول. إلا أن هذا النوع من التحركات غالباً ما يكون هشاً، لأنه لا يستند إلى تحول جوهري في الأساسيات الاقتصادية. وبالتالي، فإن استمرار هذا الاتجاه الصاعد دون دعم من عوامل أعمق قد يكون بحاجة للحذر وعدم المبالغاً في تفاؤله.

ومن الناحية النقدية، يظل الدولار الأميركي هو العامل الأكثر تأثيراً في توجيه أسعار الفضة. استقرار مؤشر الدولار حول مستويات قريبة من 99.20 بعد تراجعه الطفيف يعكس حالة من التوازن الحذر في الأسواق، حيث لا يوجد اتجاه واضح حتى الآن. وبرأيي، أي ضعف إضافي في الدولار قد يمنح الفضة دفعة مؤقتة، لكن هذا السيناريو يظل مشروطاً بسياسات الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات أسعار الفائدة، وهي عوامل لا تزال تميل إلى دعم الدولار نسبياً، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.

وهنا نصل إلى العامل الجيوسياسي، الذي يمثل في رأيي العنصر الأكثر تعقيداً في معادلة الفضة الحالية. التوترات في الشرق الأوسط، وخاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، تضيف طبقة من الغموض يصعب تسعيرها بشكل دقيق. وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الضربات العسكرية على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام يعكس محاولة لاحتواء التصعيد، لكنه في الوقت ذاته لا يشير إلى حل دائم. بل على العكس، فإن رفض إيران الدخول في محادثات مباشرة يعزز من احتمالات استمرار التوتر، وهو ما يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم.

ونظرياً، يفترض أن تؤدي مثل هذه التوترات إلى زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، بما في ذلك الفضة. لكن الواقع الحالي يظهر مفارقة واضحة: المعادن النفيسة لا تستفيد بشكل كامل من هذه الظروف. ومن وجهة نظري، السبب الرئيسي يعود إلى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة، الذي ينعكس بدوره على توقعات السياسة النقدية العالمية. فمع ارتفاع التضخم الناتج عن تكاليف الطاقة، تصبح البنوك المركزية أقل ميلاً إلى خفض أسعار الفائدة، بل قد تضطر إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول.

وهذا التحول في التوقعات النقدية يشكل ضغطاً مباشراً على الفضة، كونها أصلاً غير مدر للعائد. المستثمرون في مثل هذه البيئة يميلون إلى تفضيل الأصول التي توفر عوائد، مثل السندات أو حتى الدولار نفسه، على حساب المعادن النفيسة. لذلك، أرى أن الفضة عالقة حالياً بين قوتين متعارضتين: دعم نظري من التوترات الجيوسياسية، وضغط فعلي من السياسة النقدية المتشددة.

علاوة على ذلك، فإن غياب الوضوح في الموقف الإيراني يزيد من تعقيد المشهد. التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين، والتي تنفي وجود أي محادثات مع الولايات المتحدة، تعكس تصلباً في الموقف السياسي، وهو ما يقلل من احتمالات التهدئة في المدى القريب. في تقديري، هذا السيناريو قد يدعم الدولار كملاذ آمن أكثر من الفضة، خاصة إذا استمرت الأسواق في ربط المخاطر الجيوسياسية بالقوة النسبية للاقتصاد الأمريكي.

ومن زاوية تحليلية أوسع، أعتقد أن السوق يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة لمفهوم “الملاذ الآمن”. في السابق، كانت الفضة والذهب المستفيدين الأساسيين من أي توتر جيوسياسي، لكن في البيئة الحالية، أصبح الدولار نفسه يلعب هذا الدور بشكل أكثر وضوحاً. وهذا التحول يفسر جزئياً لماذا لا نشهد ارتفاعات قوية في الفضة رغم تصاعد المخاطر.

وبناءً على كل ما سبق، فإن توقعي الشخصي هو أن سعر الفضة سيبقى ضمن نطاق متذبذب في المدى القريب، مع ميل طفيف للصعود طالما استمر الدولار في فقدان بعض زخمه. وأرى إمكانية لبدء اتجاه صاعد قوي ومستدام في حال تحقق أحد شرطين: إما تحول واضح نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً عالمياً، أو تصعيد جيوسياسي حاد يدفع المستثمرين بشكل جماعي نحو المعادن النفيسة.

وفي النهاية، أرى أن التعامل مع الفضة في الوقت الحالي يجب أن يكون بحذر شديد، مع التركيز على التحركات قصيرة الأجل بدلاً من بناء مراكز طويلة الأمد. فالسوق، من وجهة نظري، لا يزال يفتقر إلى المحفز الأساسي الذي يمكن أن يحدد اتجاهه بشكل واضح، وهو ما يجعل الضبابية السمة الغالبة على المرحلة الحالية.