.المشهد النقدي في لبنان اليوم يبدو، للوهلة الأولى، وكأنه مفارقة يصعب تفسيرها ضمن القواعد التقليدية للاقتصاد. بلد يعيش انهياراً مالياً منذ سنوات، قطاع مصرفي معطّل، مؤسسات دولة ضعيفة، واقتصاد فقد جزءاً كبيراً من حجمه، يقف في قلب منطقة تتصاعد فيها المخاطر الجيوسياسية بشكل مستمر. ومع ذلك، يظهر سعر صرف الدولار وكأنه مستقر نسبياً. هذا الاستقرار الظاهري لا يعكس قوة نقدية حقيقية، بل يخفي تحولاً عميقاً في طبيعة الاقتصاد اللبناني نفسه، تحولاً غيّر قواعد اللعبة بالكامل. لفهم ما يجري، لا بد من إعادة صياغة السؤال. فالمسألة ليست لماذا استقر سعر الصرف، بل لماذا تراجعت ديناميكية سوق الصرف كما كانت في السابق. قبل الأزمة، كان سعر الصرف يتحدد ضمن اقتصاد قائم على تدفقات مالية كبيرة تمر عبر النظام المصرفي. المصارف كانت تستقطب الودائع بالدولار وتموّل الدولة والاقتصاد، فيما كان الاستهلاك مرتفعاً والاستيراد واسعاً. عندها، كان أي خلل في التدفقات يظهر سريعاً في سعر الصرف. لكن هذا النظام انهار بالكامل، ومع انهياره لم يعد السعر يعكس توازناً بين العرض والطلب، بل أصبح انعكاساً لاقتصاد تغيّرت بنيته جذرياً. التحول الأبرز كان الانتقال إلى اقتصاد شبه مُدولر. خلال سنوات الأزمة، توسّع استخدام الدولار إلى حد أصبح فيه العملة الفعلية للتسعير في قطاعات واسعة من الاقتصاد. الإيجارات، العقارات، الخدمات، وحتى جزء من الرواتب، باتت تُسعّر وتُدفع بالدولار. في مثل هذا الواقع، لم تعد الليرة اللبنانية تلعب دور العملة المرجعية، بل تحوّلت إلى وسيلة دفع ثانوية. هذا التحول لا يغيّر فقط شكل التعاملات، بل يغيّر جوهر سوق الصرف نفسها. فعندما تتم نسبة كبيرة من المعاملات مباشرة بالدولار، فإنها لا تمر أصلاً عبر سوق الصرف، ما يؤدي إلى تقلّص هذه السوق بشكل كبير، وبالتالي تراجع التقلبات الظاهرة فيها.
إلى جانب الدولرة، يأتي عامل الانكماش الاقتصادي ليعزز هذا الاستقرار الظاهري. الاقتصاد اللبناني اليوم أصغر بكثير مما كان عليه قبل الأزمة. الاستهلاك تراجع، الاستثمار تقلّص، والواردات انخفضت بشكل ملحوظ. ومع هذا الانكماش، تراجع الطلب الإجمالي على الدولار. وعندما يصبح الاقتصاد أصغر، تصبح الضغوط على سوق العملات أقل، ليس لأن الاقتصاد أصبح أكثر قوة، بل لأنه فقد جزءاً كبيراً من نشاطه. وهنا تكمن المفارقة: الاستقرار الحالي هو نتيجة انكماش، لا نتيجة تعافٍ.
في هذا السياق، لعبت السياسة النقدية دوراً مهماً في ضبط هذا التوازن الهش. بعد مرحلة من التوسع الكبير في الكتلة النقدية بالليرة، والتي ساهمت في تسريع انهيار سعر الصرف، اتجه مصرف لبنان إلى تشديد إدارة السيولة، فعمل على تقليص ضخ الليرة ومحاولة امتصاص الفائض النقدي. هذه السياسة ساهمت في تخفيف الضغوط المباشرة على السوق، لكنها بقيت ضمن إطار إدارة الأزمة، لا معالجتها. فهي لم تعالج أسباب الانهيار، بل ساهمت في تأجيل نتائجه الأكثر حدّة.
غير أن هذا التوازن لا يمكن فهمه من دون النظر إلى مصدر أساسي للدولار في الاقتصاد اللبناني اليوم، وهو التدفقات الخارجية. فلبنان يعتمد بشكل كبير على تحويلات المغتربين، وعلى إنفاق اللبنانيين القادمين من الخارج، إضافة إلى بعض التدفقات المرتبطة بالمنظمات الدولية. هذه الأموال تشكّل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، وتؤمّن عرضاً يسمح بالحفاظ على حد أدنى من التوازن في السوق. لكن هذه المعادلة تبقى هشّة بطبيعتها، لأنها تعتمد على عوامل خارجية لا يملك الاقتصاد اللبناني السيطرة عليها.
هنا تحديداً يدخل العامل الجيوسياسي ليعيد تشكيل المشهد بالكامل. لبنان لا يعيش فقط أزمة نقدية داخلية، بل يقف في قلب منطقة تشهد توترات مستمرة تنعكس مباشرة على أسواق الطاقة والمال. كل تصعيد في الشرق الأوسط لا يبقى محصوراً في السياسة أو الأمن، بل ينتقل بسرعة إلى الاقتصاد العالمي عبر أسعار النفط والغاز، ومن ثم إلى التضخم وأسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال. بالنسبة للبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، فإن أي ارتفاع في الأسعار يتحول فوراً إلى ضغط إضافي على الاقتصاد وعلى سعر الصرف.
لكن التأثير الأعمق للجيوسياسة لا يكمن فقط في أسعار الطاقة، بل في ما يُعرف بعلاوة المخاطر السيادية. في عالم المال، لا تُقاس المخاطر فقط بالأرقام الاقتصادية، بل أيضاً بمدى استقرار البيئة السياسية والأمنية. وكلما ارتفعت احتمالات التصعيد في المنطقة، ارتفعت كلفة التمويل وتراجعت شهية المستثمرين، ما يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد اللبناني. في بلد لم يُنهِ بعد أزمته المالية ولم يُعد هيكلة قطاعه المصرفي، تصبح هذه المخاطر مضاعفة، ويصبح أي تصعيد إقليمي بمثابة اختبار جديد لهذا التوازن الهش.
في ظل هذا الواقع، يصبح العامل النفسي عنصراً حاسماً في تحديد مسار السوق. فأسواق الصرف لا تتحرك فقط بناءً على المعطيات الاقتصادية، بل أيضاً بناءً على التوقعات. طالما أن السوق يعتقد أن تدفقات الدولار مستمرة وأن مصرف لبنان قادر على ضبط السيولة، فإن الاستقرار يستمر. لكن هذا التوازن يمكن أن ينقلب بسرعة إذا تغيّرت التوقعات، خصوصاً في بيئة حساسة سياسياً وأمنياً.
وفي قلب هذا التوازن الهش، يبرز دور مصرف لبنان في إدارة ما تبقى من الاحتياطات بالعملة الأجنبية، إلى جانب احتياطاته من الذهب، كأحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على استقرار المشهد النقدي. فبعد سنوات من استنزاف الاحتياطات بالعملات الصعبة، لم يعد هامش التدخل واسعاً كما كان في السابق، ما جعل إدارة السيولة بالدولار أكثر حذراً وانتقائية.
هذا الواقع يطرح إشكالية مزدوجة. فمن جهة، يحتاج مصرف لبنان إلى الحفاظ على حد أدنى من الاحتياطات لضمان استمرارية تمويل الاستيراد الأساسي، ولا سيما الطاقة والمواد الغذائية والأدوية. ومن جهة أخرى، فإن استخدام هذه الاحتياطات بشكل مباشر للدفاع عن سعر الصرف أو لتمويل الاقتصاد يحمل مخاطر استنزاف ما تبقى من قدرة تدخل، في ظل غياب تدفقات مستدامة تعيد تكوين هذه الاحتياطات.
أما الذهب، فيبقى حالة خاصة ضمن هذا الإطار. فهو يشكّل أحد آخر الأصول السيادية غير المستهلكة، ويمثّل مخزوناً استراتيجياً للقيمة أكثر منه أداة تدخل يومي في السوق. إلا أن وجوده يطرح بدوره أسئلة جوهرية تتجاوز البعد المالي، لتلامس البعد السياسي والسيادي: هل يُستخدم كضمانة لإعادة بناء الثقة، أم يُترك كخط دفاع أخير في مواجهة سيناريوهات أكثر حدّة؟
في هذا السياق، لا يمكن فصل إدارة الاحتياطات عن مسار معالجة الفجوة المالية. لأن أي مقاربة غير متكاملة قد تؤدي إلى استخدام هذه الأصول كبديل عن الإصلاح، بدلاً من أن تكون جزءاً من حل شامل يعيد هيكلة القطاع المصرفي ويؤسس لعودة الثقة. وعند هذه النقطة، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل ما تبقى من الاحتياطات، بما فيها الذهب، يُدار كأداة لإطالة أمد الأزمة، أم كرافعة لإطلاق مسار التعافي؟
وقراءة المشهد النقدي في لبنان لا تكتمل من دون التوقف عند البعد التشريعي، ولا سيما مشاريع القوانين ذات الطابع النقدي والمالي، وفي مقدّمها ما يُعرف بقانون الفجوة المالية. فهذه القوانين ليست مجرّد أدوات تقنية لمعالجة الخسائر، بل هي جزء لا يتجزأ من معادلة الثقة، ومن كيفية توزيع الكلفة داخل الاقتصاد. في لحظة إقليمية ترتفع فيها كلفة الوصول إلى الدولار والطاقة والغذاء، يصبح السؤال الداخلي أكثر حساسية: من سيتحمّل الخسارة في الداخل اللبناني؟ وهل ستُدار هذه الخسارة ضمن إطار قانوني واضح وعادل، أم ستبقى موزّعة بشكل غير معلن عبر التضخم، وتآكل الودائع، وتراجع القدرة الشرائية؟
قانون الفجوة المالية، كما يُطرح، لا يعالج فقط أرقاماً في ميزانيات المصارف أو مصرف لبنان، بل يحدّد بشكل غير مباشر شكل النظام النقدي المستقبلي. فإذا جاء القانون ليُكرّس واقع تحميل الخسائر للمودعين أو لتثبيت دولرة غير منظمة، فإنه سيحوّل الاستقرار الظاهري القائم اليوم إلى حالة دائمة من الجمود، حيث لا تعافٍ فعلي ولا إعادة بناء للثقة. أما إذا أتى ضمن رؤية واضحة تُعيد ترتيب الأولويات، وتحدّد المسؤوليات، وتربط توزيع الخسائر بإعادة هيكلة حقيقية للقطاع المصرفي والمالية العامة، فإنه قد يشكّل مدخلاً لإعادة إطلاق الدورة الاقتصادية.
هنا تحديداً تتقاطع الجبهة الداخلية مع الصدمة الخارجية. فلبنان الذي يواجه ارتفاعاً في الكلفة النهائية الواصلة بسبب اضطراب الممرات البحرية، لا يملك ترف إطالة أمد الغموض التشريعي. لأن أي تأخير في حسم مسألة
الفجوة المالية يعني عملياً استمرار استنزاف الاقتصاد من الداخل، في وقت تتزايد فيه الضغوط عليه من الخارج. بمعنى آخر، إذا كانت هرمز وباب المندب يرفعان كلفة وصول السلع إلى لبنان، فإن غياب إطار قانوني واضح لمعالجة الخسائر يرفع كلفة توزيع هذه الصدمة داخل لبنان نفسه. وعند هذه النقطة، لا تعود الأزمة مجرد أزمة استيراد أو أسعار، بل تتحول إلى أزمة نظام نقدي غير محسوم المعالم.
في المحصلة، ما نشهده في لبنان اليوم ليس استقراراً نقدياً بالمعنى الحقيقي، بل نوع من التوازن المؤقت الذي نشأ من تداخل مجموعة من العوامل: اقتصاد أصغر، دولرة واسعة، تدفقات خارجية، وإدارة نقدية للسيولة. هذا التوازن يشبه هدنة أكثر منه استقراراً دائماً. فهو قائم على إدارة العوارض، لا على معالجة جذور الأزمة.
الاستقرار الحقيقي للعملة لا يأتي من تقلّص السوق أو من استبدال العملة الوطنية بعملة أجنبية، بل من اقتصاد منتج، وقطاع مصرفي سليم، ومالية عامة قابلة للاستدامة. ومن دون هذه الأسس، يبقى ما نراه اليوم استقراراً هشاً، قابلاً للاهتزاز عند أول صدمة كبيرة. وهنا يكمن الاستنتاج الأكثر وضوحاً: الدولار لم يستقر لأن الليرة أصبحت أقوى، بل لأن دور الليرة في الاقتصاد أصبح أضعف بكثير. وفي بلد يقف على خط زلازل جيوسياسية، يبقى هذا النوع من الاستقرار مؤقتاً بطبيعته، ينتظر دائماً اختبار الصدمة التالية.