في الأوقات العادية، يُفترض أن يكون السؤال بسيطاً: هل تستطيع أوبك+ التأثير على أسعار النفط؟
الجواب التقليدي: نعم، عبر زيادة أو خفض الإنتاج.
لكن في أوقات الحرب، هذا السؤال يصبح مضلِّلاً.
لأن ما يحكم السوق اليوم ليس الإنتاج، بل قدرة النفط على الوصول.
نحن أمام لحظة مختلفة جذرياً. لحظة لم يعد فيها النفط سلعة تُقاس فقط بعدد البراميل المنتجة، بل بعدد البراميل التي يمكن إيصالها فعلياً إلى الأسواق.
هنا تحديداً، يبدأ تآكل نفوذ أوبك+.
المشكلة ليست في أن أوبك+ لا تستطيع زيادة الإنتاج. بل في أن هذه الزيادة قد لا تصل إلى السوق أصلاً.
جزء كبير من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً لحوالي خُمس الإمدادات العالمية. وعندما يصبح هذا الممر مهدداً أو شبه مغلق، فإن أي زيادة في الإنتاج تتحول إلى أرقام على الورق، لا إلى براميل في السوق.
الأمر لا يتوقف هنا. فالمسار البديل عبر باب المندب يواجه بدوره مخاطر أمنية متصاعدة، ما يرفع كلفة التأمين والشحن، ويجبر الناقلات على اتخاذ مسارات أطول وأكثر كلفة.
في هذه البيئة، يتحول النفط من سلعة قابلة للتدفق إلى سلعة مقيّدة جغرافياً.
وهنا تظهر الحقيقة التي غالباً ما يتم تجاهلها في النقاش العام:
هناك فرق جوهري بين الإنتاج والإمداد.
الإنتاج يعني استخراج النفط من الأرض.
أما الإمداد، فيعني نقله بأمان، وتأمينه، وتمويله، وإيصاله إلى المستهلك النهائي.
وفي أوقات الأزمات، الإمداد هو من يحدد السعر، وليس الإنتاج.
قد تقرر أوبك+ زيادة الإنتاج بمليون برميل يومياً.
لكن إذا ارتفعت كلفة التأمين، وتباطأت حركة الشحن، وازدادت المخاطر على الناقلات، فإن هذه الزيادة تُمحى بالكامل، بل وقد ينخفض المعروض الفعلي.
لهذا السبب، فإن الأسواق لا تتفاعل اليوم مع قرارات أوبك+ كما في السابق.
الأسواق تدرك أن زيادة الإنتاج في بيئة غير مستقرة لا تعني بالضرورة زيادة في العرض الفعلي.
بل قد تعني شيئاً معاكساً: مزيداً من الضغط على سلاسل الإمداد، ومزيداً من الارتفاع في الأسعار.
بمعنى آخر، أوبك+ لم تفقد قدرتها على الإنتاج، لكنها فقدت جزئياً قدرتها على التحكم بالسوق.
إيران تمثل حالة خاصة داخل هذا المشهد. فهي عضو في أوبك، لكنها عملياً خارج منظومة الانضباط الإنتاجي التقليدي بسبب العقوبات، وتلعب دوراً مزدوجاً: منتج نفطي من جهة، ولاعب جيوسياسي يؤثر على أمن الممرات البحرية من جهة أخرى.
وهذا ما يعمّق المفارقة:
الدولة التي لا تُحسب بالكامل ضمن قرارات الإنتاج، هي نفسها من أكثر الأطراف تأثيراً على قدرة الإمداد.
في المحصلة، نحن أمام تحول عميق في طبيعة سوق النفط.
لم يعد السؤال: كم تنتج الدول؟
بل: كم يمكن أن يصل فعلياً إلى السوق؟
ولم تعد أوبك+ اللاعب الوحيد القادر على تحريك الأسعار، بل أصبحت الجغرافيا السياسية، من المضائق إلى مسارات الشحن، شريكاً غير مرئي في تحديد السعر.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. لأن هذا النوع من الأسواق لا يستجيب بسهولة للسياسات التقليدية، ولا يمكن تهدئته بقرارات إنتاجية فقط.
إنه سوق هش، حساس للمفاجآت، وسريع التفاعل مع أي تصعيد.
وفي مثل هذا السوق، قد يكون ارتفاع الأسعار ليس نتيجة نقص فعلي في النفط، بل نتيجة الخوف من عدم القدرة على إيصاله.
لهذا، فإن الرهان على أوبك+ وحدها لضبط الأسعار في المرحلة الحالية هو رهان ناقص.
لأن ما يحكم السوق اليوم ليس ما تحت الأرض،
بل ما يحدث فوقها.