تخطي إلى المحتوى
تحليل

هرمز: مسرح الابتزاز العالمي… حين يربح الخصوم من حافة الانفجار

هرمز: مسرح الابتزاز العالمي…  حين يربح الخصوم من حافة الانفجار

ليس أخطر ما في مضيق هرمز أنه قد يُغلق، بل أنه لا يُغلق ، وقد يكون الأخطر أنه لن يغلق .

فالحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن اللعبة لا تقوم على تنفيذ التهديد، بل على إبقائه حيّاً، نابضاً، ومعلّقاً فوق رأس الاقتصاد العالمي كسيفٍ دائم. هنا، تتحوّل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز، ويتحوّل التوتر إلى صناعة مربحة تُدار ببرودة أعصاب، وتتحول سياسات إدارة الصراع الى أداة تفاوض حيث لا تُطلق الرصاصات بقدر ما تُرفع الأسعار.

في هذا الشريط البحري الضيّق، الذي تمرّ عبره شرايين الطاقة العالمية، يكفي تصريح واحد أو حادثة بحرية محدودة ليدخل العالم في حالة ارتباك فوري. دول كـالصين والهند تدفع الثمن سريعاً عبر تضخّم أسعار الطاقة، ما يضغط على صناعاتها ونموّها، فيما تقف اليابان وكوريا الجنوبية، وهما من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم، في موقع هشّ أمام أي اضطراب في الإمدادات. أما الاتحاد الأوروبي، فيجد نفسه مضطراً لامتصاص صدمة أسعار طاقة مرتفعة في لحظة إقتصادية أصلاً مثقلة بالتحديات. هؤلاء جميعاً لا يشاركون في اللعبة، لكنهم يدفعون كلفتها كاملة، من تضخم إلى تباطؤ اقتصادي واضطراب في الأسواق أو حتى إرتفاع بالاسعار .

في المقابل، لا تتصرّف إيران كما يوحي خطابها التصعيدي. فهي لا تريد إقفال المضيق فعلياً، لأن ذلك يشكّل انتحاراً اقتصادياً لها قبل غيرها، بل تسعى إلى ما هو أكثر ذكاءً: التحكّم بالمضيق دون إقفاله. من خلال التلويح المستمر بالتهديد، وافتعال مستويات محسوبة من التوتر، تنجح طهران في تحويل المضيق إلى منطقة “مخاطر مدفوعة الثمن”. فكل سفينة تمرّ، وكل ناقلة تعبر، تتحمّل كلفة إضافية، سواء عبر ارتفاع أقساط التأمين، أو عبر ترتيبات أمنية، أو حتى عبر رسوم مباشرة وغير مباشرة تُفرض تحت عناوين مختلفة. هكذا، لا يُغلق المضيق … بل يُؤجَّر. ولا تُمنع الملاحة، بل تُسعَّر. إيران لا تضع قفلاً على الباب، بل تضع تعرفة على المرور، وتقبض من الخوف قبل أن تقبض من النفط.

أما الولايات المتحدة الأميركية، التي تقدّم نفسها كحامية لحرية الملاحة، فهي ليست خارج دائرة الاستفادة. فكلما ارتفعت حدة التوتر، ارتفعت أسعار النفط، ما يعزّز موقعها كمصدّر رئيسي للطاقة، خصوصاً مع الطفرة في إنتاج النفط الصخري. وفي الوقت نفسه، يتحوّل الخطر إلى فرصة جيوسياسية، إذ تزداد حاجة الدول المستهلكة للطاقة إلى المظلّة الأمنية الأميركية، ما يعيد تكريس دور واشنطن كضامن أساسي للنظام البحري العالمي. الخطر هنا لا يُدار فقط لاحتوائه، بل أيضاً لاستثماره.

وقد تجلّت هذه المعادلة بوضوح خلال عهد دونالد ترامب، حيث لم تكن الاستراتيجية تقوم على حسم الصراع، بل على ضبطه. ضغط اقتصادي خانق على إيران، يقابله ردع عسكري محسوب يمنعها

من الذهاب بعيداً، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. النتيجة لم تكن تهدئة، بل توتراً مضبوطاً بدقة: كافياً لإبقاء الأسواق في حالة قلق دائم، دون أن يخرج عن السيطرة. لم يكن ذلك فشلاً في السياسة، بل شكلاً من أشكال إدارتها.

في المحصلة، لا أحد يريد إقفال مضيق هرمز فعلياً، ولا أحد يسعى إلى استقرار كامل فيه. ما يريده اللاعبان الأساسيان هو إبقاء العالم في منطقة وسطى، حيث التهديد قائم، والخطر حاضر، لكن الانفجار مؤجّل. في هذه المنطقة الرمادية، تدفع الدول الصناعية الثمن، وتتقلّب الأسواق، وتُعاد صياغة موازين القوى، بينما يواصل الطرفان الاستثمار في التوتر: واشنطن تربح من الخوف، وطهران تربح من المرور.

هكذا، لا يعود مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل يتحوّل إلى نظام متكامل لإدارة الأزمات والأرباح. وفي عالم كهذا، لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كي تسيطر عليه … يكفي أن تُقنع الجميع أنك قادر على ذلك.