وسط التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، لا يبدو تراجع أسعار الفضة مجرد حركة عابرة في سوق المعادن، بل يعكس تحوّلاً أعمق في سلوك المستثمرين وإعادة تسعير شاملة للمخاطر العالمية. ومن وجهة نظري، فإن انخفاض الفضة إلى ما دون مستويات 74.50 دولارًا للأونصة ليس مفاجئًا بقدر ما هو نتيجة منطقية لتفاعل معقد بين التضخم المدفوع بالصراعات، وتشدد السياسات النقدية، وتغير أولويات الأسواق. والفضة، التي طالما اعتُبرت ملاذًا آمنًا بديلًا، تبدو اليوم وكأنها تفقد جزءًا من هذا الدور لصالح أدوات مالية أكثر ارتباطًا بالعائد، في بيئة ترتفع فيها أسعار الفائدة وتزداد فيها تكلفة الفرصة البديلة.
وأحد أهم العوامل التي أراها تضغط على أسعار الفضة هو التضخم الناتج عن الصراع الأميركي الإيراني وما يحمله من تداعيات على سلاسل الإمداد والطاقة. عادةً ما يُفترض أن المعادن الثمينة تستفيد من التضخم، لكن ما يحدث حاليًا يختلف؛ فالتضخم المرتفع يدفع البنوك المركزية نحو التشديد النقدي، وهو ما يرفع العوائد الحقيقية ويجعل الاحتفاظ بأصول لا تدر عائدًا مثل الفضة أقل جاذبية. ومن هذا المنطلق، أرى أن الفضة دخلت في معادلة عكسية مع التضخم، حيث أصبح ارتفاعه عامل ضغط بدلًا من كونه عامل دعم، وهو تحول جوهري في فهم تحركات السوق الحالية.
وفي المقابل، تلعب التوقعات المتعلقة بالسياسة النقدية دورًا حاسمًا في توجيه حركة الفضة. الأسواق تترقب قرارات البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، وجميعها تميل إلى تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيًا. ومن وجهة نظري، فإن هذا التثبيت لا يعني الحياد، بل يعكس تمسكًا بسياسة نقدية مشددة لفترة أطول، وهو ما يخلق بيئة غير مواتية للفضة. فطالما بقيت الفائدة الحقيقية إيجابية، سيظل المستثمرون يفضلون الأصول المدرة للعائد، مما يحد من أي صعود قوي للفضة على المدى القصير.
ورغم هذه الضغوط، لا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي الذي يظل عامل دعم كامن للفضة. والحديث عن احتمالات وقف إطلاق النار أو تخفيف التوترات قد يمنح الأسواق بعض الهدوء المؤقت، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن المخاطر لا تزال قائمة. وفي رأيي، فإن أي تصعيد مفاجئ أو فشل في المسارات الدبلوماسية قد يعيد الزخم للفضة بسرعة، خصوصًا إذا ترافق مع اضطرابات في أسواق الطاقة أو تراجع في شهية المخاطرة. بمعنى آخر، الفضة لم تفقد دورها كملاذ آمن بالكامل، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في استجابتها للأحداث.
ومن زاوية أخرى، أعتقد أن سلوك المستثمرين تجاه الفضة يعكس تحولًا هيكليًا في الأسواق المالية، حيث باتت السيولة تتجه بشكل أكبر نحو الدولار الأمريكي والأصول المرتبطة به. قوة الدولار، المدعومة بالفائدة المرتفعة والاستقرار النسبي للاقتصاد الأمريكي، تشكل ضغطًا إضافيًا على الفضة المقومة به. لذا أرى أن أي توقعات بارتفاع الفضة يجب أن تأخذ في الاعتبار مسار الدولار، إذ لا يمكن الفصل بينهما. استمرار قوة الدولار يعني ببساطة استمرار التحديات أمام أي صعود مستدام للفضة.
كما أنني أرى أن الفضة تعاني أيضًا من ازدواجية طبيعتها، فهي ليست فقط معدنًا ثمينًا بل أيضًا سلعة صناعية. ومع تزايد المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي نتيجة الحرب والتشديد النقدي، فإن الطلب الصناعي على الفضة قد يتراجع، مما يضيف طبقة أخرى من الضغط على الأسعار. وهذا العامل غالبًا ما يتم تجاهله في التحليلات السطحية، لكنه في رأيي عنصر حاسم في تفسير الأداء الضعيف للفضة مقارنة ببعض المعادن الأخرى.
وأعتقد أن الفضة ستظل تحت ضغط في المدى القريب، مع احتمالات اختبار مستويات أدنى إذا استمرت البيئة الحالية دون تغيير جوهري. ومع ذلك، ولا أرى أن هذا الاتجاه الهبوطي سيستمر إلى ما لا نهاية. في حال بدأت البنوك المركزية في التلميح إلى تخفيف السياسة النقدية، أو إذا تراجعت حدة التضخم بشكل واضح، فقد نشهد تحولًا في الاتجاه وعودة تدريجية للفضة إلى مسار صاعد. الأمر يعتمد بشكل أساسي على توقيت هذا التحول، وهو ما يجعل المرحلة الحالية حساسة للغاية للمستثمرين.
وفي النهاية، يمكن القول إن الفضة تمر بمرحلة إعادة تموضع ضمن النظام المالي العالمي، حيث لم تعد تستجيب بنفس الطريقة التقليدية للعوامل الاقتصادية. ومن وجهة نظري، فإن التعامل مع الفضة في هذه المرحلة يتطلب قراءة أعمق للتوازن بين السياسة النقدية والجغرافيا السياسية، بدلًا من الاعتماد على القواعد الكلاسيكية. وبينما قد يبدو المشهد ضبابيًا، إلا أن الفرص لا تزال قائمة لمن يستطيع فهم هذه التحولات والتكيف معها بمرونة وواقعية.