تخطي إلى المحتوى
تحليل

الباوند/دولار عند منعطف حاسم: كيف تعيد الأسواق تشكيل موازين القوة العالمية؟

الباوند/دولار عند منعطف حاسم:  كيف تعيد الأسواق تشكيل موازين القوة العالمية؟

يشهد زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأميركي GBP/USD واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ بداية عام 2026، ويتداول بالقرب من 1.352 في ظل تداخل عوامل اقتصادية وسياسية وجيوسياسية أعادت تشكيل توقعات الأسواق العالمية بصورة متسارعة. وبرأيي، فإن التحركات الأخيرة للزوج لا تعكس مجرد قوة مؤقتة للدولار الأمريكي، بل تعبّر عن تحول أعمق في مزاج المستثمرين تجاه المخاطر العالمية، خاصة بعد عودة التضخم الأمريكي للارتفاع وتزايد الشكوك حول مستقبل الاقتصاد البريطاني سياسيًا وماليًا. ولهذا أعتقد أن السوق بدأ بالفعل في إعادة تسعير موازين القوة بين الدولار والجنيه الإسترليني على أساس مختلف تمامًا عمّا كان سائدًا خلال الربع الأول من العام.

ومن وجهة نظري، فإن الارتفاع المفاجئ لمؤشر أسعار المستهلكين الأميركي إلى 3.8% شكّل نقطة تحول حاسمة في توقعات السياسة النقدية الأميركية، لأن الأسواق كانت تبني جزءًا كبيرًا من رهاناتها على اقتراب الاحتياطي الفيدرالي من بدء دورة خفض الفائدة خلال النصف الثاني من العام. لكن عودة التضخم بهذه القوة دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم هذا السيناريو بشكل سريع وعنيف، وهو ما انعكس مباشرة على ارتفاع عوائد السندات الأميركية وصعود مؤشر الدولار. وأعتقد أن هذه التطورات منحت الدولار أفضلية واضحة أمام معظم عملات مجموعة العشر، خصوصًا مع تزايد احتمالات إبقاء الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أسابيع قليلة فقط.

وفي المقابل، لا تبدو الصورة البريطانية مطمئنة بالقدر الكافي لدعم الجنيه الإسترليني، بل أرى أن الأزمة السياسية المتصاعدة داخل حكومة كير ستارمر أصبحت عنصر ضغط مباشر على ثقة المستثمرين في الأصول البريطانية. فارتفاع عوائد السندات الحكومية البريطانية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين لا يعكس قوة اقتصادية بقدر ما يعكس مخاوف متزايدة بشأن الاستقرار المالي والسياسي في المملكة المتحدة. وبرأيي، فإن الأسواق بدأت تتعامل مع الجنيه الإسترليني باعتباره عملة معرضة لمخاطر مزدوجة، تتمثل في تباطؤ اقتصادي داخلي من جهة، واضطراب سياسي قد يتطور إلى أزمة قيادة حقيقية من جهة أخرى، وهو ما يفسر الأداء الضعيف للإسترليني مقارنة باليورو وحتى بعض العملات المرتبطة بالسلع.

كما أعتقد أن التوترات الجيوسياسية الحالية، خاصة ما يتعلق بإيران وأسواق الطاقة، تضيف عنصرًا بالغ الأهمية إلى المشهد الحالي. فاستمرار المخاوف بشأن اضطراب إمدادات النفط العالمية يدعم بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، الأمر الذي يغذي الضغوط التضخمية عالميًا ويعزز الطلب على الدولار كملاذ آمن. وفي تقديري، فإن أي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط سيدفع الأسواق إلى مزيد من النفور من المخاطرة، وهو سيناريو يصب غالبًا في مصلحة الدولار الأمريكي على حساب العملات الأوروبية وعلى رأسها الجنيه الإسترليني. لذلك أرى أن العامل الجيوسياسي لم يعد عنصرًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا رئيسيًا من معادلة تسعير العملات خلال المرحلة الحالية.

ومن الناحية الاقتصادية البحتة، أرى أن الفارق بين الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا أصبح يميل تدريجيًا لصالح الدولار، رغم أن كلا البنكين لا يزال يتبنى سياسة نقدية متشددة نسبيًا. فالاحتياطي الفيدرالي يستفيد من اقتصاد أميركي لا يزال قادرًا على تحمل الفائدة المرتفعة بفضل قوة سوق العمل واستمرار الإنفاق الاستهلاكي، بينما يجد بنك إنجلترا نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ يضطر للإبقاء على الفائدة مرتفعة رغم تباطؤ النمو وضعف الثقة الاقتصادية. وبرأيي، فإن هذا الاختلاف الجوهري في جودة النمو الاقتصادي بين البلدين يمنح الدولار أفضلية هيكلية خلال الأشهر المقبلة، حتى لو شهد السوق بعض الارتدادات التصحيحية المؤقتة لصالح الإسترليني.

أما على مستوى حركة السوق، فأعتقد أن منطقة 1.3500 تمثل حاليًا نقطة محورية شديدة الحساسية لزوج GBP/USD، لأن كسرها بشكل واضح وثابت قد يفتح الباب أمام موجة هبوط أوسع باتجاه مستويات 1.3430 ثم 1.3330 وربما أبعد من ذلك إذا استمرت قوة الدولار الحالية. وفي رأيي، فإن الأسواق أصبحت أكثر ميلاً لبيع الارتفاعات بدلًا من شراء الانخفاضات، وهي إشارة تعكس تغيرًا واضحًا في السلوك العام للمستثمرين تجاه الزوج. ومع ذلك، لا أستبعد حدوث ارتدادات قصيرة الأجل إذا جاءت بيانات الناتج المحلي الإجمالي البريطاني أفضل من التوقعات أو إذا تراجعت حدة التوترات السياسية مؤقتًا، لكنني أرى أن أي صعود سيظل محدودًا ما دام الزوج عاجزًا عن العودة والاستقرار أعلى مستويات 1.3600.

ورغم هذه النظرة السلبية على المدى القريب، فإنني لا أعتقد أن الجنيه الإسترليني فقد جميع مقومات التعافي على المدى الطويل. فاقتصاد المملكة المتحدة لا يزال يمتلك قدرًا من المرونة، كما أن استمرار بنك إنجلترا في الحفاظ على سياسة نقدية متشددة قد يساهم لاحقًا في استعادة الثقة إذا بدأت معدلات التضخم بالتراجع دون الدخول في ركود عميق. كذلك، فإن أي تحول مستقبلي في سياسة الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير النقدي قد يغير موازين السوق مجددًا لصالح الإسترليني خلال النصف الثاني من 2026. لكن حتى يحدث ذلك، أرى أن الضغوط الحالية ستبقى هي العامل المسيطر على تحركات الزوج.

في المحصلة، أعتقد أن زوج GBP/USD دخل مرحلة جديدة تحكمها إعادة تسعير شاملة للمخاطر العالمية، حيث لم يعد التركيز منصبًا فقط على البيانات الاقتصادية التقليدية، بل أصبح يشمل الاستقرار السياسي، وأسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، ومستقبل السياسة النقدية العالمية في آن واحد. ومن وجهة نظري، فإن الدولار لا يزال يحتفظ بالأفضلية في المدى القريب والمتوسط، خاصة إذا استمرت البيانات الأميركية في دعم بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول. أما الجنيه الإسترليني، فسيظل بحاجة إلى استعادة الثقة السياسية والاقتصادية معًا قبل أن يتمكن من بناء موجة صعود مستدامة أمام الدولار من جديد.