تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان بين مفاوضات واشنطن ورهانات الإقليم: هل تُصنع التسويات على الطاولة أم تحت ضغط الفوضى؟*

لبنان بين مفاوضات واشنطن ورهانات الإقليم:  هل تُصنع التسويات على الطاولة أم تحت ضغط الفوضى؟*

إكتمل النصاب في واشنطن، وانطلقت جولات جديدة من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل وسط حماسة رسمية لبنانية واضحة، وكأن مجرد انعقاد الجلسات بات يُقدَّم للرأي العام كإنجاز سياسي بحد ذاته. إلا أن المشهد الفعلي يبدو أكثر تعقيداً بكثير من صورة الوفود الجالسة حول الطاولات.

فالمنطقة بأكملها تعيش اليوم فوق طبقات متداخلة من الصراع العسكري، والاستنزاف الاقتصادي، وإعادة رسم النفوذ الجيوسياسي، ما يجعل من الصعب اعتبار أن مستقبل لبنان الأمني والسياسي يُحسم فقط داخل غرف التفاوض في واشنطن.

في الواقع، قد يكون مفتاح التهدئة الحقيقية بعيداً عن واشنطن نفسها.

لأن جوهر الأزمة اللبنانية لم يعد لبنانياً بالكامل منذ سنوات طويلة، بل أصبح جزءاً من الاشتباك الأمريكي–الإيراني المفتوح على امتداد المنطقة. ومن هنا، يبدو أن أي سلام مستدام في لبنان قد لا يأتي من جلسات التفاوض اللبنانية–الإسرائيلية بقدر ما يأتي من تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران، سواء جرى في باكستان، أو عُمان، أو أي عاصمة تُستخدم كقناة خلفية لإدارة الصراع بعيداً عن الإعلام.

أما ما يجري على الأرض بين حزب الله وإسرائيل، فيكشف بوضوح أن المسار العسكري لا يزال يتقدم على المسار السياسي. فإسرائيل تبدو وكأنها تستثمر الوقت الذي توفره المفاوضات لاستكمال عملية استنزاف طويلة الأمد تستهدف القدرات العسكرية لحزب الله، انطلاقاً من قناعة إسرائيلية بأن أي تسوية مستقبلية لن تكون مستقرة طالما بقي الحزب يحتفظ بقدرات عسكرية تعتبرها تل أبيب تهديداً مباشراً لشمال إسرائيل.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم الاتهامات الإسرائيلية المتكررة للجيش اللبناني بالعجز عن تنفيذ القرار الأممي 1701، أي احتكار الدولة للسلاح وبسط سلطتها الكاملة جنوب الليطاني. فإسرائيل تعتبر أن لبنان الرسمي فشل في تنفيذ التزاماته، بينما يرى لبنان أن إمكانياته السياسية والعسكرية والاقتصادية لا تسمح له بخوض مواجهة داخلية بهذا الحجم.

وفي المقابل، لا تبدو حماسة الدولة اللبنانية للتفاوض نابعة من موقع قوة، بل من ضيق الخيارات. فلبنان يعيش انهياراً مالياً غير مسبوق، ومؤسسات منهكة، وضغوطاً دولية متصاعدة، وتراجعاً حاداً في قدرته على المناورة. ولذلك، فإن التفاوض بالنسبة للسلطة اللبنانية قد يكون محاولة لشراء الاستقرار ومنع الانفجار الشامل أكثر منه مشروعاً سيادياً متكاملاً لصناعة السلام.

لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً إذا أُضيف إليها البعد الخليجي.

فإيران، في المقابل، تبدو وكأنها تراهن على رفع كلفة المواجهة الإقليمية على الولايات المتحدة وحلفائها. ومن هنا، فإن أي اضطرابات محتملة تمتد من الإمارات العربية المتحدة إلى السعودية وقطر لا يمكن قراءتها فقط كأحداث أمنية معزولة، بل كجزء من استراتيجية ضغط أوسع تستهدف الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحسابات الإدارة الأمريكية الداخلية.

طهران تدرك أن الخليج العربي ليس مجرد ساحة نفوذ سياسي، بل مركز حيوي للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط، والتضخم العالمي، والأسواق المالية، وثقة المستثمرين. وهي تدرك أيضاً أن الإدارات الأمريكية تصبح أكثر حساسية تجاه الأزمات الاقتصادية كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، وخصوصاً الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.

ومن هنا، قد يكون الرهان الإيراني قائماً على عامل الوقت:

زيادة الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية بما يكفي لدفع واشنطن نحو إعادة تقييم كلفة المواجهة المفتوحة.

إلا أن هذا المشهد لا يقتصر على واشنطن وطهران فقط. فالصين أصبحت لاعباً لا يمكن تجاهله في المعادلة.

فأي زيارة أمريكية رفيعة المستوى إلى بكين لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع مع إيران، خصوصاً أن الصين تشكل شرياناً اقتصادياً أساسياً لطهران من خلال التجارة، والطاقة، وقنوات الالتفاف على العقوبات. ولذلك، فإن أي تقارب أمريكي–صيني، حتى لو كان اقتصادياً في الظاهر، قد يحمل في داخله محاولة أمريكية لتضييق الهامش الاقتصادي المتبقي أمام إيران.

لكن الصين لا تتحرك بمنطق التحالفات التقليدية، بل بمنطق المصالح الاستراتيجية الباردة. فهي تحتاج إلى استقرار تدفقات الطاقة من الخليج، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على موقعها التجاري العالمي، وعدم خسارة السوق الأمريكية أو الدخول في مواجهة اقتصادية شاملة مع واشنطن.

ومن هنا، قد تحمل أي مفاوضات أمريكية–صينية إغراءات اقتصادية وتجارية متبادلة، تشمل الرسوم الجمركية، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والاستثمارات، مقابل تعاون صيني أوسع، أو على الأقل أقل دعماً لإيران، في بعض الملفات الحساسة.

لكن الصين تدرك أيضاً أن إضعاف إيران بالكامل قد يؤدي إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في الخليج، وهو ما لا يخدم المصالح الاستراتيجية الصينية على المدى الطويل. ولذلك، قد يكون الهدف الأمريكي ليس انتزاع الصين من إيران بشكل كامل، بل دفعها إلى تخفيض مستوى الدعم بما يزيد من الضغط الاقتصادي على طهران دون الوصول إلى انهيار شامل يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.

وسط كل هذه التشابكات، يبدو لبنان مرة جديدة مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين. فالمفاوضات التي تُعقد باسمه قد لا تكون كافية وحدها لصناعة السلام، والحروب التي تُخاض على أرضه قد لا تكون لبنانية بالكامل.

ولهذا، يبقى السؤال الأكثر خطورة:

هل ما نشهده اليوم هو تصعيد مؤقت يهدف إلى الوصول إلى تسوية إقليمية أكبر؟ أم أن المنطقة دخلت فعلاً مرحلة إدارة الفوضى كبديل عن الحلول، حيث يصبح الاستنزاف الطويل هو السياسة، وتتحول المفاوضات إلى مجرد أداة لشراء الوقت وتغيير موازين القوى على الأرض؟