تخطي إلى المحتوى
دولية

اليورو/الدولار عند مفترق حاسم: هل تقود عوائد السندات الدولار إلى الهيمنة

 اليورو/الدولار عند مفترق حاسم:  هل تقود عوائد السندات الدولار إلى الهيمنة

في الوقت الذي يعتقد فيه جزء كبير من الأسواق أن موجة قوة الدولار الحالية أصبحت شبه محسومة، أرى أن المشهد الحقيقي لزوج اليورو/الدولار أكثر تعقيداً بكثير مما تعكسه التحركات السعرية اليومية. نعم، الدولار يستفيد حالياً من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية ومن عودة الأسواق لتسعير سيناريو الفائدة المرتفعة لفترة أطول، لكن ما يمنع انهيار اليورو بشكل حاد حتى الآن هو أن المستثمرين لا يزالون غير مقتنعين بالكامل بأن الاحتياطي الفيدرالي قادر على الاستمرار في التشدد النقدي دون أن يدفع الاقتصاد الأميركي إلى تباطؤ أكثر وضوحاً خلال النصف الثاني من العام. لهذا السبب أعتقد أن التداولات الحالية قرب مستوى 1.16 لا تمثل نهاية الاتجاه، بل مرحلة إعادة تموضع كبرى قد تسبق حركة أكثر عنفاً خلال الأسابيع المقبلة.

ومن وجهة نظري، فإن العامل الأكثر تأثيراً حالياً ليس الفارق التقليدي في أسعار الفائدة فقط، بل التحول الهيكلي الذي يحدث في سوق السندات العالمية. عندما ترتفع عوائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات فوق 4.60% بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات اليابانية والأوروبية، فإننا لا نتحدث فقط عن تشديد نقدي، بل عن إعادة تسعير شاملة لمفهوم المخاطر والتضخم عالمياً. هذا المشهد يدفع المؤسسات المالية الكبرى إلى إعادة توزيع تدفقاتها الاستثمارية بصورة سريعة، وهو ما يفسر التقلبات الحادة في سوق العملات. وفي تقديري، فإن استمرار هذه العوائد المرتفعة سيبقي الدولار مدعوماً على المدى القصير، لكن ليس بالضرورة بالزخم الكافي لكسر اليورو بشكل حاسم دون مناطق 1.15 إلا إذا جاءت البيانات الأوروبية القادمة ضعيفة بصورة واضحة.

وأعتقد أيضاً أن السوق ربما يبالغ حالياً في تقدير قدرة البنك المركزي الأوروبي على الاستمرار في لهجته المتشددة. اقتصاد منطقة اليورو لا يمتلك المرونة نفسها الموجودة في الاقتصاد الأميركي، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار الضغوط الجيوسياسية المرتبطة بإيران وأسعار النفط. أوروبا تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، وأي ارتفاع إضافي في النفط يعني تضخماً مستورداً يضغط على الشركات والمستهلكين في الوقت ذاته. المشكلة هنا أن البنك المركزي الأوروبي يجد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: التضخم لا يزال مرتفعاً، لكن النمو الاقتصادي يفقد زخمه تدريجياً. لذلك أرى أن أي تراجع ملحوظ في بيانات مؤشر مديري المشتريات الأوروبية قد يكون الشرارة التي تدفع الأسواق لإعادة تسعير مسار الفائدة الأوروبية بالكامل، وعندها فقط قد نشهد كسرًا فعلياً لمستوى 1.1560 والانتقال نحو مناطق 1.1440 وربما 1.1380 لاحقاً.

وفي المقابل، لا أعتقد أن سيناريو الصعود لليورو قد انتهى بالكامل كما يعتقد البعض. هناك نقطة جوهرية يتجاهلها كثير من المتداولين، وهي أن السوق لا يزال يحمل تمركزات ضخمة ضد الدولار على المدى المتوسط. المستثمرون يدركون أن الإدارة الأمريكية لا تمانع ضمنياً ضعف الدولار، لأن ذلك يخدم الصادرات الأميركية ويخفف الضغوط على الميزان التجاري. كما أن أي تباطؤ اقتصادي أميركي مفاجئ سيعيد فوراً الحديث عن خفض الفائدة مستقبلاً، وهو ما قد يضرب موجة الصعود الحالية للدولار بسرعة كبيرة. لهذا أرى أن اليورو ما زال يمتلك فرصة للعودة باتجاه 1.18 وربما أعلى إذا فشل الاحتياطي الفيدرالي في الحفاظ على نبرته المتشددة خلال الاجتماعات القادمة.

وبرأيي، فإن محاضر الاحتياطي الفيدرالي والبيانات الأميركية المقبلة ستكون حاسمة أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على الدولار، بل لأنها ستحدد ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي قادراً فعلاً على تحمل مستويات العوائد الحالية. الأسواق بدأت تدرك أن التشديد الحقيقي لم يعد يأتي فقط من رفع الفائدة الرسمية، بل من سوق السندات نفسه. ارتفاع عوائد الرهن العقاري والائتمان الاستهلاكي بدأ يضغط تدريجياً على النشاط الاقتصادي الأميركي، وإذا ظهرت مؤشرات ضعف في سوق العمل أو الاستهلاك، فإن رهانات رفع الفائدة قد تنهار بسرعة. لذلك أرى أن الدولار يتحرك حالياً في منطقة حساسة للغاية؛ فإما أن تؤكد البيانات الأمريكية استمرار التضخم وقوة الاقتصاد، وبالتالي يواصل الدولار مكاسبه، أو يبدأ السوق في التساؤل حول قدرة الاقتصاد على تحمل هذه الظروف، وعندها سيتغير الاتجاه بسرعة.

وأعتقد كذلك أن الأسواق تقلل من أهمية العامل الجيوسياسي في تسعير اليورو/الدولار. استمرار التوترات المرتبطة بإيران وإغلاق مضيق هرمز يضيف دعماً غير مباشر للدولار باعتباره ملاذاً آمناً، لكنه في الوقت نفسه يخلق خطراً تضخمياً عالمياً قد يعقد قرارات البنوك المركزية بشكل أكبر. وإذا استمرت أسعار النفط فوق المستويات الحالية، فإن أوروبا ستكون المتضرر الأكبر مقارنة بالولايات المتحدة، وهذا ما يجعلني أميل إلى أن أي ارتفاعات قوية لليورو خلال المرحلة الحالية قد تبقى محدودة ومؤقتة ما لم يحدث تحول واضح في ملف الطاقة أو السياسة النقدية الأمريكية.

رغم ذلك، فإنني لا أتوقع رؤية هبوطية مطلقة تجاه اليورو، لأن السوق يتحرك حالياً وفق توازن هش للغاية بين عاملين متناقضين: قوة العوائد الأميركية من جهة، وتشبع مراكز شراء الدولار من جهة أخرى. ولهذا السبب أرى أن التداول داخل النطاق الحالي ليس دليلاً على ضعف الاتجاه، بل إشارة إلى أن السوق ينتظر محفزاً حاسماً قبل إطلاق الحركة التالية. وإذا جاءت بيانات أوروبا أضعف من المتوقع بالتزامن مع لهجة متشددة من الفيدرالي، فأعتقد أن الهبوط نحو 1.13 سيكون السيناريو الأقرب خلال الربع القادم. أما إذا بدأت بيانات التضخم الأميركية بالتراجع تدريجياً مع ظهور علامات تباطؤ اقتصادي، فقد يتحول المشهد بالكامل لصالح اليورو مجدداً.

وفي النهاية، أرى أن زوج اليورو/الدولار يقف حالياً عند واحدة من أهم المراحل المفصلية منذ سنوات، لأن ما يحدث ليس مجرد حركة تصحيحية عادية، بل إعادة تسعير كاملة لمسار الفائدة والتضخم والنمو العالمي. الأسواق أصبحت أكثر حساسية لأي تصريح أو بيانات اقتصادية، والتقلبات الحالية تعكس صراعاً حقيقياً بين رؤيتين متناقضتين: الأولى تؤمن بأن الدولار سيستمر في الهيمنة مدعوماً بالعوائد المرتفعة، والثانية ترى أن الاقتصاد الأميركي لن يستطيع تحمل هذه البيئة لفترة طويلة. شخصياً، أميل إلى أن الدولار قد يحتفظ بقوته على المدى القصير، لكنني أعتقد أن النصف الثاني من العام قد يحمل انعكاسات كبيرة إذا بدأت مؤشرات التباطؤ الاقتصادي الأمريكي بالظهور بصورة أوضح، وعندها قد يتحول اليورو من عملة ضعيفة إلى أحد أكبر المستفيدين من أي تحول مرتقب في السياسة النقدية العالمية.