بعد أكثر من سبع سنوات على الانهيار المالي اللبناني، لا يزال الجدل قائماً حول كيفية توصيف الأزمة: هل نحن أمام أزمة مصرفية؟
أم أزمة نقدية؟
أم أزمة دين سيادي؟
أم أزمة حوكمة وإدارة عامة؟
وقد أضيف إلى هذا الجدل في السنوات الأخيرة توصيف آخر يعتبر أن لبنان يعيش أزمة نظامية شاملة، أي أزمة أصابت مختلف مكونات الدولة والاقتصاد والمجتمع في آن واحد. إلا أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التوصيف بحد ذاته، بل في ما قد يحمله من استنتاجات ضمنية حول المسؤوليات. فكون الأزمة أصبحت نظامية في نتائجها لا يعني بالضرورة أنها كانت نظامية في أسبابها، ولا يعني أن المجتمع بأكمله يتحمل المسؤولية نفسها عن إنتاجها.
لقد امتدت تداعيات الانهيار إلى الجميع تقريباً. تراجعت قيمة الودائع، وتآكلت الأجور، وانخفضت القدرة الشرائية، وارتفعت معدلات الفقر، وهاجر جزء كبير من رأس المال البشري، فيما شهدت مؤسسات الدولة تراجعاً غير مسبوق في قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. لكن انتشار آثار الأزمة على هذا النحو لا يجب أن يحجب حقيقة أساسية مفادها أن القرار المالي والنقدي والرقابي لم يكن موزعاً بالتساوي بين جميع اللبنانيين. فالسياسات التي سبقت الانهيار، والقرارات التي رافقته، والإجراءات التي اتُخذت أو لم تُتخذ بعد وقوعه، كانت جميعها محصورة ضمن دائرة محددة من المؤسسات والسلطات التي امتلكت صلاحيات القرار والرقابة والتنفيذ.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين مجتمع دفع كلفة الأزمة، وبين جهات امتلكت القدرة على إنتاجها أو الحد منها أو احتوائها. فالتعميم المفرط للمسؤولية قد يبدو مريحاً سياسياً لأنه يوزع اللوم على الجميع، لكنه لا يساعد في فهم ما جرى ولا في منع تكراره مستقبلاً. ذلك أن أي محاولة جدية للتعافي تبدأ أولاً بفهم مصادر الخلل، لا بمجرد توصيف نتائجه. غير أن ما يجعل الحالة اللبنانية أكثر تعقيداً هو أن الأزمة التي انفجرت في عام 2019 لم تبقَ على حالها. فالأزمات الكبرى لا تتطور بصورة تلقائية فقط، بل تتأثر أيضاً بطريقة إدارتها. وفي لبنان، يبدو أن السنوات التي تلت الانهيار لم تكن مجرد فترة انتظار بين الأزمة والحل، بل تحولت تدريجياً إلى جزء من الأزمة نفسها. فبدلاً من أن يكون الوقت عاملاً محايداً، أصبح أداة أعادت تشكيل الخسائر وأعادت توزيعها بين مختلف فئات المجتمع بصورة لم تكن واضحة دائماً للرأي العام.