تخطي إلى المحتوى
تحليل

هل يفقد مؤشرالدولار الأميركي آخر محركات قوته؟ آمال السلام مع إيران والفيدرالي يعيدان رسم المشهد!!

 هل يفقد مؤشرالدولار الأميركي آخر محركات قوته؟  آمال السلام مع إيران والفيدرالي يعيدان رسم المشهد!!

خلال الأسابيع الماضية، استفاد مؤشر الدولار الأميركي من مجموعة من العوامل الاستثنائية التي أعادت إليه جزءاً من جاذبيته كملاذ آمن عالمي، وفي مقدمتها تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والمخاوف المتعلقة بأمن إمدادات الطاقة العالمية التي دفعته لملامسة مستويات 100.29 نقطة. إلا أن المشهد بدأ يتغير بصورة متسارعة مع تزايد الحديث عن اتفاق شبه نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي دفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية والعودة تدريجياً إلى السلوك الاستثماري الذي كان سائداً قبل اندلاع الأزمة حيث يتداول حاليا بالقرب من 99.59 نقطة. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحولات قد تمثل بداية مرحلة جديدة لمؤشر الدولار تختلف بشكل واضح عن المرحلة التي استفاد خلالها من علاوة المخاطر والتوترات الجيوسياسية.

عندما اندلعت التوترات في المنطقة، كان رد فعل الأسواق تقليدياً إلى حد كبير، حيث ارتفع الطلب على الأصول الدفاعية والملاذات الآمنة وفي مقدمتها الدولار الأميركي. وقد شهدنا بالفعل ارتفاع مؤشر الدولار بنحو 3% خلال فترة قصيرة، وهو ارتفاع لا يمكن تفسيره فقط بالمعطيات الاقتصادية الداخلية الأميركية، بل يعكس بالدرجة الأولى انتقال المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي. لكن المشكلة التي تواجه الدولار حالياً تتمثل في أن العوامل التي دعمته خلال الفترة الماضية بدأت بالتراجع تدريجياً، بينما لم تظهر حتى الآن عوامل جديدة قادرة على تعويض هذا الانحسار.

وفي تقديري، فإن أي اتفاق رسمي بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون مجرد حدث سياسي عابر، بل سيحمل انعكاسات اقتصادية ومالية واسعة النطاق. فالأسواق تنظر إلى الاتفاق المحتمل باعتباره خطوة نحو استقرار منطقة تعد شرياناً أساسياً للطاقة العالمية، خصوصاً إذا تضمن ضمانات تتعلق باستمرار الملاحة عبر مضيق هرمز الذي تمر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. ولذلك فإن تراجع احتمالات التصعيد العسكري يعني بالضرورة انخفاض الطلب على الدولار كملاذ آمن وعودة المستثمرين نحو الأصول ذات المخاطر الأعلى مثل الأسهم والعملات المرتبطة بالنمو الاقتصادي.

مما يعزز هذا السيناريو هو أن التغير في المزاج الاستثماري العالمي لا يحدث بمعزل عن التطورات الاقتصادية الأمريكية الداخلية. فالبيانات الأخيرة لمؤشر أسعار المنتجين الأميركي حملت رسائل مهمة للأسواق. وصحيح أن القراءة الرئيسية جاءت أعلى قليلاً من التوقعات، إلا أن استقرار المؤشر الأساسي دون المستويات المتوقعة يشير إلى أن الضغوط التضخمية الأساسية لا تزال تحت السيطرة نسبياً. ومن وجهة نظري، فإن هذه البيانات تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أوسع للحفاظ على نهجه الحذر بدلاً من العودة إلى سياسة أكثر تشدداً، وهو ما يقلل من فرص حصول الدولار على دعم قوي من جانب السياسة النقدية خلال المدى القريب.

كما إن العامل الأكثر أهمية بالنسبة لمؤشر الدولار خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في قرار الفيدرالي القادم، بل في الرسائل التي سيرسلها البنك المركزي للأسواق بشأن مسار الفائدة خلال النصف الثاني من العام. فإذا استمر المسؤولون في الإشارة إلى تباطؤ التضخم واحتواء آثار ارتفاع أسعار الطاقة، فإن الأسواق قد تواصل تسعير احتمالات أقل لرفع الفائدة مستقبلاً، وهو ما يشكل بيئة غير داعمة للدولار. وفي المقابل، فإن أي مفاجأة متشددة من الفيدرالي قد تؤخر فقط مسار الهبوط المتوقع، لكنها لن تكون كافية في رأيي لعكس الاتجاه بالكامل ما لم تترافق مع تحسن ملموس في البيانات الاقتصادية الأميركية.

على المستوى الفني، تبدو الصورة متوافقة إلى حد كبير مع القراءة الأساسية. فمؤشر الدولار فشل خلال الأيام الأخيرة في الحفاظ على التداولات فوق المستوى النفسي 100 نقطة، وعاد للتراجع باتجاه مستويات 99.60. هذا السلوك السعري يعكس ضعف الزخم الشرائي ويدل على أن المستثمرين بدأوا بالفعل في التخلي عن جزء من مراكزهم الدفاعية المرتبطة بالأحداث الجيوسياسية. وإذا استمرت التطورات السياسية الحالية في الاتجاه الإيجابي، فإنني أعتقد أن كسر منطقة 99.50 قد يدعم امتداد الهبوط نحو مستويات 99.20 ثم 98.80 على المدى المتوسط.

بل إن السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في احتمال عودة مؤشر الدولار إلى المستويات التي كان يتداول عندها قبل اندلاع الأزمة الجيوسياسية الأخيرة. فقبل تصاعد التوترات، كانت الأسواق تتعامل مع الدولار في إطار مختلف يعتمد بشكل أساسي على تباطؤ النمو الأميركي وتراجع الضغوط التضخمية وتوقعات تخفيف السياسة النقدية مستقبلاً. وإذا اختفت علاوة المخاطر التي أضافتها الحرب إلى تسعير الدولار، فإن العودة إلى منطقة 97.50 أو حتى أدنى منها لن تكون مستبعدة خلال الأشهر القادمة، خاصة إذا تزامن ذلك مع تحسن شهية المخاطرة عالمياً واستمرار تدفق الأموال نحو الأسواق الناشئة والأصول عالية العائد.

مع ذلك، لا أرى أن الطريق نحو مزيد من الضعف سيكون خطياً أو خالياً من التقلبات. فالأسواق لا تزال تتعامل مع ملفات جيوسياسية واقتصادية معقدة، وأي تعثر في الاتفاق أو عودة للتوترات العسكرية قد يعيد الطلب على الدولار بسرعة كبيرة. كما أن استمرار قوة سوق العمل الأميركي أو ظهور موجة تضخمية جديدة قد يجبر الاحتياطي الفيدرالي على تبني لهجة أكثر تشدداً مما تتوقعه الأسواق حالياً. لذلك فإن المستثمرين مطالبون بالتعامل مع المرحلة الحالية بمرونة عالية وعدم الافتراض أن الاتجاه الهابط للدولار أصبح مضموناً بشكل كامل.

وفي المحصلة، أرى أن مؤشر الدولار الأميركي يقف بالفعل عند مفترق طرق حاسم. فالعوامل التي دعمته خلال الأسابيع الماضية بدأت تفقد تأثيرها تدريجياً، بينما تتزايد المؤشرات التي تدفع نحو إعادة تسعير العملة الأميركية وفق معطيات اقتصادية أكثر هدوءاً وأقل ارتباطاً بالمخاطر الجيوسياسية. وإذا تم توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني خلال الأيام المقبلة واستمر الفيدرالي في تبني نهجه الحذر، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً من وجهة نظري يتمثل في استمرار الضغوط على الدولار خلال الفترة المقبلة، مع احتمالات متزايدة للعودة نحو مستويات ما قبل الأزمة، في خطوة قد تعكس بداية مرحلة جديدة في دورة العملة الأميركية والأسواق العالمية على حد سواء.