تخطي إلى المحتوى
تحليل

*جوهر الخلاف حول المادتين ٣ و ١٣ من قانون إصلاح المصارف.*

 *جوهر الخلاف حول المادتين ٣ و ١٣  من قانون إصلاح المصارف.*

في خضمّ الجدل الدائر حول قانون إصلاح أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، تبرز المادتان ٣ و١٣ كساحة اختبار حقيقية لجدية المسار الإصلاحي في لبنان. فبينما تُختصر أزمة القطاع المصرفي غالباً في أرقام الفجوة المالية ومصير الودائع، يكمن جوهر الإصلاح الفعلي في تفاصيل أدقّ بكثير: من يملك سلطة القرار على مصير كل مصرف؟ وهل تُبنى الهيئة المصرفية العليا كجهة رقابية فاعلة، أم كهيكل استشاري تُبقي معه السلطة الفعلية حيث كانت دائماً؟ الإجابة على هذا السؤال لا تُحسم في الخطابات السياسية، بل في صياغة فعل واحد داخل نص قانوني، "تطلب" أم "توصي،" وفي جملة اعتراضية واحدة تحيل إلى المادة ٧٠ من قانون النقد والتسليف. أصحاب القرار، في السلطتين التشريعية والتنفيذية، مدعوّون اليوم إلى إدراك أن هذا النزاع الظاهر تقنياً هو في الحقيقة نزاع على جوهر الإصلاح نفسه.

يجب الإشارة أولاً على أن الحوار والنقاش هو حالياً قائم بعيداً عن صاحب الحق الإقتصادي - المودع.

الإشكالية ليست في المضمون الإصلاحي للمادتين بحد ذاته، بل في مسألة توزيع الصلاحيات بين مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا:

>> المادة ٣ من القانون (أهداف القانون): الخلاف هنا مرجعي-دستوري بامتياز. مصرف لبنان طالب بإضافة نص يؤكد تطبيق القانون مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة ٧٠ منه، بما يحفظ الإطار القانوني الناظم لعمل المصرف المركزي. بعبارة أخرى، حاكم المصرف المركزي يخشى أن تُقرأ المادة ٣ على أنها تُنشئ صلاحيات موازية أو متضاربة مع صلاحيات المجلس المركزي المكرّسة أصلاً في قانون النقد والتسليف؛ وهذا بالضبط نوع الازدواجية المؤسسية التي تُقلق أي جهة رقابية عند إنشاء هيئة جديدة (الهيئة المصرفية العليا) تتقاطع اختصاصاتها مع جهة قائمة.

>> المادة ١٣ من القانون (أدوات معالجة أوضاع المصارف): هنا الخلاف عملي أكثر منه مرجعي: هل تملك الهيئة المصرفية العليا صلاحية إلزام مصرف لبنان بإصدار تعاميم، أم صلاحية توصية فقط؟ طالب مصرف لبنان بتعديل الصياغة بحيث تصبح الهيئة صاحبة حق التوصية لا الإلزام، من خلال استبدال عبارة "تطلب الهيئة المصرفية العليا من مصرف لبنان إصدار تعاميم" بعبارة "توصي الهيئة المصرفية العليا مصرف لبنان بإصدار تعليمات أو إجراءات لتنفيذ القانون". الفرق ليس دلالياً فحسب . "تطلب' تعني أداة تنفيذية مُلزمة تُخرج مصرف لبنان من موقع صاحب القرار الحصري على التعاميم النقدية، بينما 'توصي" تُبقي مصرف لبنان في موقع من يقرر نهائياً حتى لو استقبل توصية من الهيئة.

>> السياق المؤسسي الأوسع: هذا التنازع بين المادتين يعكس نزاعاً أعمق حول طبيعة الهيئة المصرفية العليا نفسها: مصرف لبنان يرى أن بعض التعديلات المقترحة قد تمسّ بأحكام قانون النقد والتسليف، وتؤدي إلى ازدواجية في القرار الرقابي، ما قد ينعكس سلباً على انتظام العمل المالي، بينما ترى وزارة المال أن الصياغة الحالية تراعي استقلالية المصرف المركزي مع تحديد دور واضح للهيئة ضمن منظومة إعادة الهيكلة.

}}أين وصل الملف؟ بحسب آخر متابعة بعيداً عن تقذف التهم بين السلطتان التشريعية والتنفيذية (نهاية حزيران ٢٠٢٦)، صندوق النقد الدولي وافق على جزء من التعديلات المتوافق عليها بين حاكم مصرف لبنان ووزارة المالية بخصوص المادتين ٣ و١٣، لكن اللجنة لم تكن قد استلمت بعد الجواب النهائي حول الصيغة الكاملة. كما أن التعديلات اللاحقة التي أقرّها مجلس الوزراء أدخلت على المادة ١٣ عبارات تركّز على مبدأ تراتبية توزيع الخسائر لتشمل أولاً مساهمي المصرف والأموال الخاصة للمصرف، مع إتاحة إصدار تعاميم لتنظيم استعمال أدوات الإصلاح؛ أي أن النص لا يزال في حالة تعديل مستمر ولم يُحسم نهائياً حتى تاريخه.

إن الإصرار على تسوية لغوية توفيقية بين "الطلب" و"التوصية"، أو بين مراعاة قانون النقد والتسليف وصون استقلالية الهيئة المصرفية العليا، لن يُنتج قانوناً فعّالاً ما لم يُحسم أولاً سؤال الجوهر: هل يريد لبنان فعلاً هيئة مصرفية عليا قادرة على اتخاذ قرارات نافذة، أم واجهة إصلاحية تُرضي صندوق النقد الدولي شكلياً بينما تبقى موازين القوى الفعلية على حالها؟ على السلطة التشريعية أن تدرك أن كل تأخير في حسم هاتين المادتين هو تأخير إضافي في مسار استعادة الثقة بالقطاع المصرفي برمّته، وعلى السلطة التنفيذية أن تتحمّل مسؤولية تقديم صيغة نهائية واضحة لا تحتمل التأويل المزدوج. فالمودعون الذين ينتظرون منذ عام ٢٠١٩ لا يعنيهم من يملك حق "الطلب" وحق "التوصية"، بل يعنيهم أن تكون هناك جهة واحدة قادرة فعلًا على تطبيق القانون، ومحاسبة من يتلكأ عن تطبيقه.