تخطي إلى المحتوى
تحليل

الملف الأمني بين إيران وامريكا يعيد التوترات الإقتصادية.

الملف الأمني بين إيران وامريكا  يعيد التوترات الإقتصادية.

التطورات الأخيرة تؤكد أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران انهارت، وإيران أعادت إغلاق المضيق فجر الأحد ١٢ تموز، فيما ردّت واشنطن بضربات جوية واسعة ومقدمات لحصار بحري شامل على السواحل والموانئ الإيرانية.

النفط والطاقة: الحركة كانت حادة وسريعة. قفزت أسعار النفط بأكثر من ٩% يوم الاثنين، مسجلة أعلى مستوياتها في شهر، بعدما أعلنت الولايات المتحدة أن الحصار البحري المزمع دخوله حيز التنفيذ سيشمل كامل السواحل والموانئ ومحطات تصدير النفط الإيرانية، وجميع السفن بغض النظر عن جنسيتها. أنهى خام برنت الجلسة عند ٨٣.٣٠ دولاراً للبرميل بارتفاع ٩.٦%، وتكساس الوسيط عند ٧٨.١٤ دولاراً بارتفاع ٩.٤% وهو أكبر مكاسب يومية منذ نيسان.

المنطق هنا مباشر: هرمز يمرّ عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي إغلاق فعلي، ولو جزئي أو متقطع، يحوّل المخاطرة الجيوسياسية إلى قسط تأمين يُضاف فوراً للسعر، بصرف النظر عن العرض والطلب الفعليين. طالما بقي الحصار الأمريكي والإغلاق الإيراني متزامنين، الاتجاه سيبقى صعودياً مع تقلبات حادة حول كل بيان عسكري أو دبلوماسي. شركات الشحن العالمية بدأت فعلاً بإطفاء أجهزة تتبع بعض ناقلاتها أثناء العبور، وهذا مؤشر على أن التأمين والمخاطر التشغيلية أصبحت جزءاً من معادلة التسعير وليس فقط "خبر".

الضغوط التضخمية: هذه هي الحلقة الثانية من نفس السلسلة. النفط الأعلى يرفع تكلفة الطاقة والشحن والمدخلات الصناعية عالمياً، وهذا بالضبط ما يمنع البنوك المركزية، وعلى رأسها الفدرالي، من التسرّع بخفض الفائدة. الأسواق فعلاً قرأت الإشارة هذا الاتجاه: صعود النفط الحاد عزز توقعات إبقاء الفدرالي الأمريكي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. بمعنى آخر: الحرب لا تُنتج تضخماً فورياً فقط عبر الطاقة، بل تؤخر مسار التيسير النقدي، وهذا يطيل أمد الضغط بدل أن يكون صدمة عابرة.

الذهب: لماذا يهبط رغم الحرب؟: هنا المفارقة التي تسأل معظم الناس عنها، ولها تفسير اقتصادي واضح وليس عشوائياً. تراجع الذهب في التعاملات الفورية ١.٦% إلى نحو ٤٠٥٣ دولاراً للأوقية، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية وتبادل الهجمات بين الطرفين. السبب: ارتفاع أسعار النفط ترافق مع صعود الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة، وهذا زاد الضغط على الذهب كأصل لا يدر عائداً.

بمعنى آخر: الذهب يتنازع بين قوتين متعاكستين الآن:

١- قوة داعمة: الملاذ الآمن التقليدي في زمن الحرب.

٢- قوة ضاغطة: دولار قوي مع عوائد سندات مرتفعة (تكلفة فرصة أعلى لحيازة أصل لا يدر فائدة) ويضاف الى ذلك توقعات إبقاء الفدرالي على فائدة مرتفعة لفترة أطول.

حالياً القوة الثانية هي الغالبة، لأن السوق تسعّر "تضخم بسبب الطاقة يبقي الفائدة مرتفعة"، وليس "انهيار اقتصادي يستدعي هروباً جماعياً للذهب". هذا تمييز جوهري: الذهب يتحرك بحساسية أكبر لمسار الفائدة الحقيقية والدولار منه لعنوان الحرب بحد ذاته.

لكن السؤال اليوم: إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً فعلياً أو جزئياً لفترة أطول، فهل يتحول الأثر إلى انكماشي على المدى البعيد يدعم الذهب فعلاً إذا تراجع النشاط الاقتصادي بفعل صدمة الطاقة؟ هذا هو المفصل الحقيقي: استقرار الذهب أو انعكاسه للأعلى مرهون بلحظة تحوّل القراءة السائدة من "تضخم يبقي الفائدة مرتفعة" إلى "ركود عالمي وشيك بسبب صدمة الطاقة"؛ عندها يعود الذهب ملاذاً بقوة رغم الدولار القوي.

الأحداث اليوم تشير إلى اتجاه صعودي في أسعار الطاقة مع تقلب حاد، مرتبط مباشرة بمدى فعالية الحصار الأمريكي وتمسك إيران بالإغلاق.

وهذا يترجم ضغط إضافي على الأسعار (تضخم) يُرجّح تأجيل خفض الفائدة، لا مجرد شهر أو شهرين بل احتمال امتداد الأثر إذا استمر الاضطراب. والذهب يواصل المنافسة مع الدولار ويواصل هبوطه ببروده (بعيداً عن الإضطرابات والتقلبات الحادة) وهو أثر الدولار والعوائد على الدولار وليس غياب المخاطر الجيوسياسية؛ أي انعطاف نحو الركود أو تصعيد يهدد الاستقرار المالي (لا الطاقة فقط) سيقلب المعادلة سريعاً لصالح الذهب وسوف نشهد إرتفاع بالأسعار (بعيداً عن المضاربة).

هذا سيناريو ما زال في طور التبلور، والمتغير الحاسم في الأيام المقبلة هو مدى صمود أو انهيار الحصار البحري الأمريكي الذي كان مقرراً دخوله حيز التنفيذ.