تنخفض العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط وبرنت بأقل من نصف نقطة مئوية، لتحوم بالقرب من مستويي 79 و84 دولاراً للبرميل على التوالي، وذلك تالياً ليوم شهد تقلبات منخفضة نسبياً.
هدوء التقلبات النسبي في سوق الطاقة يأتي وسط ترقب لمعرفة ما إذا كان المسار المستقبلي لحرب الشرق الأوسط سيعيدنا إلى طاولة المفاوضات، أم سيقودنا إلى جولات من التصعيد الأوسع، أم سيبقينا في حالة اللاسلم واللاحرب.
استمرت الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة حتى طلوع الشمس اليوم، في استمرار لسلسلة الهجمات الممتدة على نحو متواصل خلال الأيام الأخيرة. في هذه الأثناء، لا تزال حركة السفن عبر مضيق هرمز شبه المغلق خفيفة للغاية، إذ لم تعبر أمس الأربعاء سوى سبع سفن، تراجعاً من 13 سفينة سُجلت يوم الثلاثاء، وفق ما أظهرته بيانات كيبلر ونقلتها رويترز. وتيرة تدفق السفن هذه هي الأدنى منذ شهرين، في حين تحدثت وول ستريت جورنال عن مخاوف متزايدة لدى السفن من العبور تحت الحماية الأميركية، وذلك على الرغم من كثافة التواجد العسكري براً وجواً، وحتى بعد سلسلة الضربات المستمرة ضد الأهداف الإيرانية.
مع امتداد الأفق الزمني لهذه الحرب، قد نواجه قدراً أكبر من المخاطر الصعودية لتضخم أسعار الطاقة، مع استمرار استنزاف المخزونات الاستراتيجية الأميركية، إذ أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة أن المخزون الاستراتيجي من النفط الخام سجل قاعاً جديداً عند نحو 316 مليون برميل في أخر الأسبوع الفائت، وهو ما يمثل أدنى مستوياته منذ عام 1983. لكن ما قد يقدم بعضاً من الراحة المؤقتة لسوق الطاقة هو الإمدادات التي تمكنت من عبور المضيق خلال الأيام الأخيرة، وخلال فترة الهدنة، سواء من الدول العربية أو من إيران.
سنترقب الآن ما ستؤول إليه الحرب في الساعات والأيام المقبلة. في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، قد نشهد إعلاناً مفاجئاً من الرئيس دونالد ترامب حول عودة المفاوضات من جديد، وهذا ما قد يتسبب في انخفاض عنيف للعقود الآجلة للنفط. لكن كما تعودنا، فإن هذا لن يعني أبداً نهاية الحرب أو عودة فتح المضيق على مصراعيه، وإنما فقط تمديداً لحالة اللاسلم واللاحرب. عودة المفاوضات ستنطوي على العودة لمناقشة تفاصيل تطبيق المادة الخامسة من مذكرة اتفاق التفاهم، فيما يتعلق بإدارة مضيق هرمز، التي لا تزال إيران تطالب بفرض هيمنتها الكاملة عليه. في حين لا توجد مؤشرات جوهرية على أن إيران تتجه إلى تقديم تنازل حول هذا الأمر، لا نزال نترقب تقييماً للأثر الذي أحدثته الضربات الأميركية المطولة على الأهداف الإيرانية، وما إذا كانت قد تمكنت بالفعل من تخفيف حدة خطر الضربات الإيرانية على السفن، لكن إلى الآن لا يوجد ما يؤكد هذا.
في المقابل، نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين أن الضربات الأخيرة على إيران قد أعطت ترامب القدرة على الاختيار بين مزيد من الخيارات العسكرية. عليه، إذا حصل ترامب على تقييم يفيد بفعالية الضربات الأخيرة على إيران، فإنه قد يقدم على مزيد من الضربات في محاولة لتفكيك قدرة إيران على إعاقة الإمدادات. إلا أنني أعتقد أنه إذا بدأت إيران المتشددة تشعر بأنها محشورة في الزاوية، سواء تحقق هذا بطريقة ما، أم اتخذت إدارة ترامب قرار توسيع استهداف البنية التحتية في إيران، فإنها قد لا تستهدف ناقلات النفط، وإنما قد تستهدف منشآت استخراج وتكرير النفط المنتشرة في الإقليم. هذا ما تهدد به إيران على نحو مستمر، وأعتقد أنه قابل للتحقق بالفعل. من شأن هذا السرد، إن بدأ يتجلى، أن يرسل أسعار الخام إلى قمم جديدة لم نشهدها منذ بداية الحرب على نحو محتمل، هذا دون الأخذ بعين الاعتبار احتمالية دخول الحوثيين في اليمن على خط المواجهة على نحو شامل.
لا حل عسكرياً في مضيق هرمز، وهذا ما يبدو محط إجماع الخبراء العسكريين، على الأقل إلى الآن. بالتالي، فمن دون التوصل إلى اتفاق راسخ وبكلمات مفصلة بما يخص إدارة مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، فإن مخاطر التصعيد ستبقى مرتفعة كيفما كان تسعير السوق. كما أن الحل العسكري، سواء عبر استمرار الضربات الجوية والبحرية، أو حتى في السيناريو المتطرف المتمثل بإنزال قوات برية في الجزر الإيرانية، وهو ما بدأ الحديث عنه يطفو على السطح مجدداً، سيستغرق وقتاً مطولاً للغاية، بما قد لا يقبله ترامب، الذي قد يسعى إلى التخلص من آثار هذه الحرب قبل الدخول في انتخابات التجديد النصفي.
مخاطر عودة التضخم للتسارع قد تُبقي ترامب أكثر حذراً حيال إطالة أمد الحرب، وأكثر ميلاً للتفاوض وحتى التنازل. إذ تقترب أسعار الجازولين مجدداً من متوسط 4 دولارات للجالون، وفق أرقام AAA Fuel Prices، والتي تتضافر الآن مع الارتفاع في العقود الآجلة للسلع الزراعية، خصوصاً القمح والذرة، على ضوء التصعيد الجنوني في بحري آزوف والأسود على جبهة روسيا وأوكرانيا.