تخطي إلى المحتوى
تحليل

لماذا يتمسّك حاكم مصرف لبنان بجملة واحدة في قانون إصلاح المصارف؟

لماذا يتمسّك حاكم مصرف لبنان بجملة  واحدة في قانون إصلاح المصارف؟

في الأسابيع الأخيرة، تركّز جزء كبير من النقاش حول قانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها على نقطة واحدة تبدو، للوهلة الأولى، تفصيلاً صياغياً لا يستحق كل هذا الجدل: هل تُضاف إلى المادة ٣ من القانون (التي تحدد أهدافه) عبارة تُحيل صراحة إلى المادة ٧٠ من قانون النقد والتسليف؟

لمن يتابع من بعيد، هذا يبدو نزاعاً بين محامين حول صياغة جملة. لكن للمودع، وللمواطن الذي وضع ماله في المصارف اللبنانية، هذا الخلاف يحمل دلالة مباشرة على سؤال عملي: من يملك، فعلياً، صلاحية اتخاذ القرار حين تتضارب الرؤى داخل عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي؟

> ما الذي تحميه المادة ٧٠؟

المادة ٧٠ من قانون النقد والتسليف، الصادر منذ عام ١٩٦٣، هي الأساس القانوني الذي يحدد مهام مصرف لبنان: المحافظة على سلامة العملة الوطنية، والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي، والمحافظة على سلامة النظام المصرفي، وتطوير السوق النقدية والمالية. هذه المادة، مع المادتين ٧١ و٧٢ المكمّلتين لها، هي التي تُعطي المجلس المركزي لمصرف لبنان صلاحيته التنظيمية والرقابية الشاملة على القطاع.

بعبارة أبسط: المادة ٧٠ هي "الدستور الداخلي" الذي يعمل بموجبه المصرف المركزي منذ أكثر من ستين عاماً. أي جهة جديدة تُنشأ ضمن الجهاز المصرفي، إن لم تُحدَّد علاقتها بهذا الدستور الداخلي بوضوح، تخلق حالة من عدم اليقين حول من يقول الكلمة الفصل عند الاختلاف.

> الهيئة الجديدة، والسؤال الذي لم يُحسم

قانون إصلاح المصارف يُنشئ هيئة مصرفية عليا، مهمتها الإشراف على إعادة هيكلة المصارف المتعثرة. هذه هيئة تنفيذية-إصلاحية بطبيعتها، أنشئت لحل مشكلة محددة زمنياً: تصنيف المصارف، تحديد القابل منها للاستمرار، وترتيب مسار إعادة الرسملة أو التصفية.

المجلس المركزي، في المقابل، هو الجهة الدائمة صاحبة الولاية العامة على النقد والاستقرار المصرفي، بحكم المادة ٧٠. والمشكلة التي يخشاها الحاكم ليست نظرية: ماذا يحصل حين تتخذ الهيئة الجديدة قراراً بشأن مصرف معيّن، بينما يرى المجلس المركزي أن هذا القرار يتعارض مع مسؤوليته عن الاستقرار النقدي العام؟ من دون نص يُحيل صراحة إلى المادة ٧٠، لا يوجد جواب قانوني واضح. وفي غياب الجواب الواضح، يصبح كل قرار مصرفي حساس عرضة للطعن أو التعطيل بين جهتين تدّعي كل منهما صلاحية الفصل. هذا بالضبط نوع الفراغ الذي يتحول، في لحظة أزمة مصرفية، من خلاف قانوني إلى شلل مؤسسي فعلي.

> لماذا هذا يهمّ المودع تحديداً

المودع اللبناني عاش بالفعل، منذ ٢٠١٩، تجربة ما يحصل حين تتعدد مراكز القرار من دون تراتبية واضحة: تعاميم متضاربة، اجتهادات مصرفية متباينة من مصرف إلى آخر، وغياب مرجعية واحدة يمكن محاسبتها. جزء كبير من الشعور بـ"لا أحد مسؤول" الذي رافق الانهيار، جذوره ليست فقط في حجم الخسائر، بل في تشتت المسؤولية بين جهات متعددة.

قانون إصلاح المصارف فرصة لتفادي تكرار هذا النمط، لا لإعادة إنتاجه بهيئة جديدة تتقاطع صلاحياتها مع المجلس المركزي من دون تفويض واضح. حين يطلب الحاكم النص على "مراعاة المادة ٧٠"، فهو، من وجهة نظر مؤسسية، لا يطلب حماية شخصية أو صلاحية إضافية، بل يطلب أن يبقى واضحاً من هي الجهة التي تتحمل، في نهاية المطاف، مسؤولية القرار النقدي والمصرفي الشامل، وهي المسؤولية التي يُحاسَب المصرف المركزي عليها أصلاً أمام الرأي العام والمؤسسات الدولية.

> ولماذا اعترض صندوق النقد؟

في المقابل، من المهم للمودع أن يعرف الجانب الآخر من الصورة: صندوق النقد الدولي اعترض على الإشارة الصريحة والحرفية إلى "المادة ٧٠" داخل نص المادة ٣، وفضّل صياغة أعمّ تُحيل إلى قانون النقد والتسليف ككل. مبرر الصندوق، في العادة، هو تفادي خلق ازدواجية شكلية علنية بين هيئتين حديثتي الإنشاء والقديمة، بما قد يُقرأ كإشارة إلى تنازع صلاحيات مكتوب في صلب القانون نفسه، بدل حله. بمعنى آخر: الصندوق يريد نصاً مرناً لا يُجمّد العلاقة بين الجهتين في صيغة قد تحتاج لاحقاً إلى تعديل.

النقاش إذاً ليس بين طرف "يريد الشفافية" وطرف "يريد الغموض"، بل بين مدرستين في الصياغة القانونية: من يفضّل الدقة الحرفية القابلة للتحقق فوراً، ومن يفضّل العمومية القابلة للتفسير المرن. كلا الموقفين له سند وجيه، وهذا بالضبط ما يجعل الخلاف يستحق المتابعة، لا التبسيط.

> ما الذي يجب أن يراقبه المودع في الأيام المقبلة

الصيغة النهائية لهذه الجملة، مهما بدت تفصيلية، ستحدد عملياً سرعة وسلاسة تنفيذ إعادة الهيكلة المصرفية في الأشهر المقبلة. نص غامض حول توزيع الصلاحيات يعني مخاطر تأخير إضافي في ملف يعرف المودع اللبناني، أكثر من غيره، ثمن كل شهر تأخير فيه.

المتابعة الجادة لهذا الملف ليست ترفاً قانونياً، بل جزء من حق المودع في معرفة من سيقرر مصير أمواله، وبأي سند قانوني.