يدخل الذهب مرحلة جديدة من التداولات بعدما تمكن من الحفاظ على تماسكه أعلى مستوى 4400 دولار، مع اقتراب الأسعار من 4440 دولاراً مؤخراً. وبرأيي، فإن أهمية هذه المستويات لا تكمن في الرقم السعري وحده، وإنما في التحول الواضح في موازين القوى التي تحرك المعدن الأصفر، خصوصاً مع تراجع توقعات الأسواق على اتجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة. وفي تقديري، فإن الذهب بات أمام بيئة أكثر ملاءمة لاستعادة الزخم الصاعد، لكن استمرار هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الأسعار على تثبيت مكاسبها وعدم تحول العوامل الجيوسياسية إلى مصدر ضغط تضخمي يدفع الفيدرالي إلى التشدد مجدداً.
وأرى أن العامل الأكثر تأثيراً في تحركات الذهب خلال المرحلة الحالية هو تغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية. فالبيانات الاقتصادية الأخيرة، وعلى رأسها ضعف بيانات الوظائف غير الزراعية في تموز يوليو، إلى جانب مؤشرات التضخم التي جاءت أكثر اعتدالاً، قلصت من احتمالات رفع الفائدة في الاجتماع المقبل. وتراجع احتمال الرفع وفق تسعيرات الأسواق من مستويات أعلى خلال الشهر الماضي إلى نحو 35% حالياً، وهو تطور مهم بالنسبة للذهب، لأن انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن غير المدر للعائد عادة ما يعزز جاذبيته الاستثمارية. ومن وجهة نظري، كلما استمرت البيانات الأميركية في إرسال إشارات على تباطؤ الاقتصاد دون عودة قوية للتضخم، ازدادت فرص حصول الذهب على دعم إضافي.
ولا ينبغي، في رأيي، النظر إلى صعود الذهب بمعزل عن حركة الدولار الأميركي. فالعلاقة بين الطرفين تظل من أبرز المحركات التقليدية للسوق، وأي ضغوط على الدولار نتيجة تراجع توقعات رفع الفائدة يمكن أن تمنح الذهب مساحة أكبر للصعود. لذلك أعتقد أن قدرة المعدن الأصفر على البقاء فوق 4400 دولار ستكون إشارة مهمة إلى أن المشترين ما زالوا يمتلكون الأفضلية. وإذا استقرت الأسعار أعلى هذا المستوى مع استمرار ضعف الدولار، فقد تتحول المقاومة النفسية إلى قاعدة دعم جديدة، وهو ما يمكن أن يمهد لاختبار مستويات سعرية أعلى خلال الفترة المقبلة.
ومع ذلك، أرى أن الصورة ليست صعودية بشكل مطلق، فهناك عامل جيوسياسي يمكن أن يغير المعادلة سريعاً، ويتمثل في تطورات الشرق الأوسط واحتمالات ارتفاع أسعار النفط. استمرار التوترات أو تراجع فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية قد يعيد علاوة المخاطر إلى الأسواق، وهو ما يدعم الذهب باعتباره ملاذاً آمناً من جهة، لكنه قد يرفع أسعار الطاقة والتضخم من جهة أخرى. وفي تقديري، ستكون هذه النقطة هي الاختبار الحقيقي للذهب؛ فإذا ارتفعت المخاطر الجيوسياسية من دون قفزة كبيرة في أسعار النفط، فإن التأثير المرجح سيكون إيجابياً على المعدن الأصفر، أما إذا تحولت الأزمة إلى صدمة نفطية تضغط على توقعات التضخم، فقد نجد الذهب أمام بيئة أكثر تعقيداً.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل الإشارات القادمة من الاقتصاد الصيني، خصوصاً أن الصين تمثل أحد أهم مراكز الطلب على الذهب عالمياً. تراجع مبيعات التجزئة الصينية إلى 0.6% على أساس سنوي في تموز يوليو، مقابل 1% في حزيران يونيو ودون توقعات السوق، يعكس هشاشة واضحة في الاستهلاك المحلي. وبرأيي، فإن ضعف الاقتصاد الصيني يحمل تأثيراً مزدوجاً على الذهب؛ فهو قد يحد من الطلب الفعلي على المعدن على المدى القصير ويبرر حذوث تصحيح وجني ارباح قريب المدى، لكنه في الوقت نفسه يعزز الحاجة إلى التحوط وتنويع الأصول في بيئة اقتصادية غير مستقرة. لذلك لا أرى أن هذه البيانات كافية وحدها لعكس الاتجاه العام للذهب، لكنها بالتأكيد تحد من قوة أي موجة صعود إذا استمر ضعف الطلب الصيني.
وبناءً على هذه المعطيات، أميل إلى تبني رؤية إيجابية بحذر تجاه الذهب خلال المرحلة المقبلة. أتوقع أن يظل المعدن الأصفر مدعوماً طالما بقيت احتمالات رفع الفائدة الأميركية محدودة، واستمرت البيانات الاقتصادية في الإشارة إلى تباطؤ دون عودة قوية للتضخم، مع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وفي السيناريو الأكثر تفاؤلاً، فإن تثبيت التداولات فوق 4400 دولار قد يفتح الطريق أمام اختبار مستويات أعلى وربما الاقتراب من 4500 دولار، لكنني لا أرى أن الوصول إليها سيكون مساراً مستقيماً، إذ من المرجح أن تتخلله عمليات جني أرباح وتصحيحات حادة.
في المقابل، فإن السيناريو الذي قد يضعف هذه النظرة يتمثل في عودة التضخم الأمريكي للارتفاع، أو صدور بيانات اقتصادية قوية تعيد الأسواق إلى تسعير تشديد نقدي أكبر، بالتزامن مع ارتفاع واضح في عوائد سندات الخزانة والدولار. عندها قد يتعرض الذهب لضغوط مزدوجة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تحسن شهية المخاطرة عالمياً. لذلك أرى أن المستثمرين يجب ألا يطاردوا الأسعار عند الارتفاعات الحادة، بل يراقبوا سلوك الذهب حول مناطق الدعم والمقاومة وتغير توقعات الفائدة والدولار.
وخلاصة رأيي أن الذهب يقف حالياً أمام فرصة حقيقية لمواصلة الصعود، وليس فقط بسبب التوترات الجيوسياسية، وإنما نتيجة تغير تدريجي في توقعات السياسة النقدية الأميركية. وأعتقد أن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كان الذهب قادراً على تجاوز 4400 دولار بثبات، بل ما إذا كان يستطيع تحويل هذا المستوى إلى قاعدة انطلاق نحو مستويات قياسية جديدة. وفي تقديري، ستبقى الإجابة مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسية: مسار الفائدة الأميركية، اتجاه الدولار، وتطورات التضخم وأسعار النفط. وطالما بقيت هذه العوامل مجتمعة في صالح المعدن الأصفر، فإن مسار المقاومة الأقل للذهب سيظل أقرب إلى الصعود، مع بقاء الحذر ضرورياً أمام أي تحول مفاجئ في بيانات الاقتصاد الأميركي أو السياسة النقدية للفيدرالي.