دخل الذهب مرحلة شديدة الحساسية بعد القفزة القوية التي دفعته إلى مستويات تجاوزت 4500 دولار للأونصة، وهي مستويات أعادت المعدن النفيس إلى دائرة الضوء بقوة بعد موجة صعود تجاوزت 3% في جلسة واحدة. وبرغم تراجع السعر قليلًا عن قمته الأخيرة، فإنني لا أرى في هذا التراجع حتى الآن إشارة واضحة على انتهاء الاتجاه الصاعد، بل أعتبره أقرب إلى جني أرباح طبيعي بعد الارتفاع الحاد. الذهب سجل خلال التداولات الآسيوية أعلى مستوياته منذ أوائل حزيران يونيو قرب 4520 دولارًا، قبل أن يتراجع لاحقًا مع تحسن الدولار.
والعامل الأكثر أهمية في تحديد الاتجاه القادم، من وجهة نظري، هو الصراع بين مسارين متعاكسين: من جهة، هناك الاحتياطي الفيدرالي الذي أصبح أكثر تشددًا تجاه التضخم، ومن جهة أخرى هناك تراجع عوائد السندات الأميركية الذي يمنح الذهب دعمًا مباشرًا. ومحضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في تموزيوليو أظهر بوضوح أن المخاوف بشأن استمرار التضخم لا تزال مرتفعة، وأن عددًا من المسؤولين يرى أن رفع الفائدة قد يصبح ضروريًا إذا لم يتراجع التضخم بصورة كافية. وفي الاجتماع نفسه أبقى الفيدرالي الفائدة عند نطاق 3.50%-3.75%، لكن ثلاثة أعضاء فضلوا رفعها بمقدار 25 نقطة أساس.
وبرأيي، هذه الرسالة المتشددة تمنع الذهب من الانطلاق بسهولة نحو موجة صعود جديدة ومستدامة، لأن ارتفاع توقعات الفائدة يدعم الدولار ويرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا. لكن المشكلة بالنسبة للدولار أن سوق السندات لا يتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه الذي يرغب فيه الفيدرالي. فإعلان وزارة الخزانة الأميركية توسيع عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل ساعد على دفع عوائد السندات إلى الأسفل، وهو ما أعطى الذهب دفعة قوية رغم النبرة المتشددة لمحضر الفيدرالي.
وهنا أرى نقطة مهمة للغاية في قراءة حركة الذهب المقبلة: إذا استمر انخفاض العوائد طويلة الأجل، فقد يبقى الضغط على الدولار محدودًا حتى مع استمرار الخطاب المتشدد من الفيدرالي، وهو سيناريو يصب في مصلحة الذهب. لذلك لا أعتقد أن قوة محضر الفيدرالي وحدها كافية لعكس الاتجاه الصاعد للمعدن. ما سيحسم المسار فعليًا هو قدرة الدولار والعوائد على الارتفاع في الوقت نفسه. فإذا فشل كلاهما في تسجيل صعود مستدام، فإن أي تراجعات في الذهب قد تتحول إلى فرص لإعادة بناء المراكز الشرائية بدلًا من كونها بداية لانهيار أكبر.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الجيوسياسي، خصوصًا مع استمرار التوترات المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران ومخاطر اضطراب تدفقات الطاقة عبر المنطقة. هذه التطورات تحمل تأثيرًا مزدوجًا على الذهب؛ فهي من ناحية تزيد الطلب على الملاذات الآمنة، لكنها من ناحية أخرى قد ترفع أسعار النفط وتعيد إشعال التضخم، وهو ما قد يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسته النقدية المشددة لفترة أطول. وهذا التعارض يجعل تأثير الأخبار الجيوسياسية على الذهب أقل وضوحًا مما قد يبدو للوهلة الأولى. وتشير محاضر الفيدرالي بالفعل إلى أن صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية أصبحت جزءًا من معادلة التضخم التي يراقبها صانعو السياسة.
أما على المدى القصير، فأرى أن الذهب يملك فرصة للحفاظ على زخمه الإيجابي طالما بقي فوق منطقة 4500 دولار، لكنني في الوقت نفسه لا أستبعد حركة تصحيحية أعمق إذا فشل السعر في تثبيت مكاسبه فوق هذه المنطقة. تجاوز 4500 دولار يمثل بالنسبة لي اختبارًا نفسيًا وفنيًا مهمًا، والإغلاق المستقر فوقه سيكون إشارة أكثر قوة من مجرد اختراق لحظي خلال الجلسة. وفي المقابل، العودة الواضحة أسفل هذا المستوى ستزيد احتمالات جني الأرباح وربما تدفع المضاربين إلى اختبار مستويات أدنى قبل محاولة استئناف الصعود.
وبيانات الاقتصاد الأميركي المقررة اليوم ستكون مهمة في هذا السياق، وخصوصًا طلبات إعانة البطالة الأولية ومؤشر فيلادلفيا الفيدرالي للتصنيع. ووفق التوقعات الحالية، يُنتظر تسجيل طلبات إعانة البطالة عند 210 آلاف مقابل 209 آلاف سابقًا، بينما يُتوقع لمؤشر فيلادلفيا الصناعي أن يتراجع إلى 24.1 من 41.4. ومن وجهة نظري، ستكون بيانات سوق العمل أكثر تأثيرًا على الذهب إذا جاءت مفاجئة بقوة، لأن ضعف سوق العمل قد يقلل رهانات رفع الفائدة ويدعم الذهب، بينما البيانات القوية جدًا قد تمنح الدولار دفعة جديدة وتضغط على المعدن.
وبناءً على الصورة الأساسية الحالية، أميل إلى تبني نظرة إيجابية حذرة تجاه الذهب بدلًا من مطاردة الأسعار بعد الارتفاع القوي الأخير. وتوقعي الأساسي هو استمرار التذبذب المرتفع مع ميل صاعد، بشرط أن يحافظ الذهب على تماسكه فوق منطقة 4500 دولار، بينما سيكون السيناريو السلبي أكثر جدية إذا عاد الدولار والعوائد الأمريكية إلى الارتفاع بقوة بالتزامن مع تراجع الذهب أسفل مناطق الدعم القريبة.
لذلك أرى أن المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد: الفيدرالي يضغط من جهة، وتراجع العوائد والمخاطر الجيوسياسية يدعمان الذهب من جهة أخرى، والاتجاه القادم سيحدده الطرف الذي يفرض نفسه على الأسواق خلال الأيام المقبلة. وبالنسبة لي، طالما لم يظهر تغير جوهري في مسار العوائد والدولار، فإن أي تصحيح هابط في الذهب يظل أقرب إلى تصحيح داخل اتجاه صاعد منه إلى بداية انعكاس هبوطي كامل