تخطي إلى المحتوى
تحليل

تجاوز الذهب حاجز 5300 دولار ليس حدثاً عابراً بل يعكس مخاطر المرحلة

تجاوز الذهب حاجز 5300 دولار ليس حدثاً عابراً بل يعكس مخاطر المرحلة

يشهد سوق الذهب تطورًا استثنائيًا مع اختراق الأسعار مستوى 5300 دولار للأونصة وملامستها نحو 5375 دولارًا في الجلسة الآسيوية المبكرة، بعد أن سجلت قفزة سابقة إلى حدود 5420 دولارًا. وبرأيي، فإن هذه التحركات لا تعكس مجرد موجة مضاربة عابرة، بل تعبّر عن إعادة تسعير شاملة للمخاطر الجيوسياسية في ضوء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وما يحمله ذلك من احتمالات اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط. وعندما يخترق الذهب قممًا تاريخية في وقت قصير، فإن الرسالة الأساسية التي يرسلها السوق هي أن الطلب الوقائي يتقدم على كل الاعتبارات الأخرى، بما فيها تقييمات العائد والتكلفة البديلة.

والتصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار العمليات حتى تحقيق الأهداف الأمريكية عززت منسوب القلق في الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما في هذه التطورات ليس الحدث العسكري ذاته، بل عنصر عدم اليقين الممتد زمنيًا. الأسواق تستطيع استيعاب الصدمات السريعة، لكنها تتفاعل بقوة أكبر مع النزاعات المفتوحة التي تفتقر إلى أفق زمني واضح. لذلك أرى أن علاوة المخاطر الجيوسياسية المضافة إلى سعر الذهب لن تتلاشى سريعًا، بل ستبقى مدمجة في التسعير طالما استمر الخطاب التصعيدي وتزايدت احتمالات الردود المتبادلة.

واللافت أيضًا هو الارتفاع الحاد في أسعار النفط، والذي أعاد شبح التضخم إلى الواجهة. العلاقة هنا مركبة؛ فارتفاع النفط نتيجة المخاطر الجيوسياسية يعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن، لكنه في الوقت نفسه يخلق ضغوطًا تضخمية قد تجبر الاحتياطي الفيدرالي على التريث في مسار التيسير النقدي. وتاريخيًا، كان الذهب يستفيد من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، غير أن الوضع الحالي مختلف؛ إذ نشهد ارتفاعًا في الذهب رغم تراجع توقعات خفض الفائدة. برأيي، هذا يؤكد أن العامل الجيوسياسي يطغى مؤقتًا على العامل النقدي، وأن المستثمرين يفضلون التحوط ضد المخاطر النظامية حتى لو ارتفعت تكلفة الاحتفاظ بالمعدن غير المدر للعائد.

وتوقعات السوق تشير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يُبقي أسعار الفائدة دون تغيير حتى الصيف، في حين دعا ترامب إلى خفضها. وهذا التباين بين الخطاب السياسي والتوجه النقدي يعمق حالة الضبابية. من وجهة نظري، فإن أي إشارة متشددة من مسؤولي الفيدرالي، مثل جون ويليامز أو نيل كاشكاري، قد تدعم الدولار مؤقتًا وتدفع الذهب إلى تصحيح فني هابط. لكنني أرى أن مثل هذا التراجع، إن حدث، سيكون محدودًا ما لم يترافق مع انحسار واضح في التوترات الجيوسياسية. وبعبارة أخرى، العوامل الأساسية الداعمة للذهب حاليًا ليست نقدية بحتة، بل ترتبط بإدارة المخاطر العالمية.

ومن رأيي، بقاء الأسعار فوق مستوى 5300 دولار يعكس قوة شرائية واضحة واستعدادًا للدفاع عن هذه المنطقة كمستوى دعم جديد. وإذا استمرت التدفقات نحو صناديق الذهب والتحوطات المؤسسية، فقد نرى إعادة اختبار لمستويات 5475–5450 دولارًا على المدى القريب. ومع ذلك، أحذر من الإفراط في التفاؤل قصير الأجل؛ فالأسواق التي تتحرك بدافع الخوف قد تشهد انعكاسات حادة إذا ظهرت بوادر تهدئة مفاجئة. لذلك أتوقع تذبذبًا مرتفعًا خلال الجلسات القادمة، مع ميل عام صعودي طالما لم تتغير المعطيات السياسية جذريًا.

والأمر الذي أراه جوهريًا هو أن الذهب لم يعد يتحرك فقط كأصل تحوطي تقليدي، بل كمرآة لحالة النظام المالي العالمي. في بيئة تتداخل فيها المخاطر الجيوسياسية مع الضغوط التضخمية وتعقيدات السياسة النقدية، يصبح الذهب أداة لإعادة توزيع المخاطر داخل المحافظ الاستثمارية. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن المستثمرين الاستراتيجيين سيواصلون زيادة مخصصاتهم في المعدن الأصفر، ليس فقط تحسبًا للحرب، بل أيضًا تحسبًا لاحتمال ارتباك السياسات النقدية إذا تفاقمت الضغوط على الاقتصاد العالمي.

ورغم ذلك، لا يمكن إغفال سيناريو بديل يتمثل في تهدئة سريعة تقود إلى تراجع علاوة المخاطر. في هذه الحالة، قد يتعرض الذهب لعمليات جني أرباح تدفعه دون 5200 دولار. غير أنني أرى أن أي هبوط إلى تلك المستويات سيجذب مشترين جددًا، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم وأسعار الفائدة. لذلك فإن رؤيتي تميل إلى أن الاتجاه العام لا يزال صاعدًا على المدى المتوسط، حتى وإن شهدنا تصحيحات فنية قصيرة الأجل.

وخلاصة رأيي أن تجاوز الذهب حاجز 5300 دولار ليس حدثًا عابرًا، بل يعكس مرحلة جديدة من تسعير المخاطر العالمية. وطالما استمر التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرت أسعار النفط في تغذية مخاوف التضخم، فإن الذهب سيبقى مدعومًا بتدفقات الملاذ الآمن. وقد نشهد تقلبات حادة مع صدور تصريحات الفيدرالي، لكن الاتجاه المرجح في تقديري يبقى صعوديًا، مع استهداف مستويات أعلى من القمم الأخيرة إذا استمرت المعطيات الحالية. في بيئة تتسم بالضبابية، يبقى الذهب — من وجهة نظري — البوصلة الأوضح لقياس درجة القلق في الأسواق العالمية.