تخطي إلى المحتوى
تحليل

كماشة البحر: العالم بين اختناق هرمز وتهديد باب المندب

كماشة البحر: العالم بين اختناق  هرمز وتهديد باب المندب

بين مضيق هرمز وباب المندب، لا نتحدث اليوم عن ممرّين بحريين منفصلين، بل عن عقدتين متصلتين في شريان واحد يربط الطاقة بالتجارة بالغذاء. وإذا كان هرمز هو البوابة الكبرى لصادرات النفط والغاز من الخليج، فإن باب المندب هو الممر الذي يسمح لتلك الشحنات، ومعها جزء كبير من التجارة بين آسيا وأوروبا، بالعبور نحو البحر الأحمر ثم قناة السويس. لهذا السبب، فإن دخول اليمن والحوثيين على خط الصراع لا يعني فقط إضافة جبهة عسكرية جديدة، بل يعني عملياً رفع احتمالات تشكّل "كماشة بحرية" تضغط على الملاحة من الشرق عند هرمز ومن الجنوب عند باب المندب في الوقت نفسه. أهمية هرمز وحدها تكفي لفهم حجم الخطر. وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مرّ عبر مضيق هرمز في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل النفطية، كما مرّ عبره أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومعظمها من قطر. صحيح أن بعض القدرة الالتفافية موجودة عبر خطوط أنابيب سعودية وإماراتية، لكن الإدارة نفسها تقدّر أن الطاقة المتاحة لتجاوز هرمز لا تغطي إلا جزءاً محدوداً من الأحجام التي تمرّ عادة عبره. هذا يعني أن أي تعطيل طويل الأمد في هرمز لا يرفع الأسعار فقط، بل يضغط مباشرة على الكميات المتاحة في السوق وعلى جداول التسليم والعقود الآجلة وسلوك المشترين حول العالم.

أما باب المندب، فخطورته مختلفة ولكنها مكمِّلة. هو ليس فقط ممرّاً للطاقة، بل ممرّاً للتجارة أيضاً. صندوق النقد الدولي أشار إلى أن الهجمات في البحر الأحمر خفّضت حركة المرور عبر قناة السويس، التي يمرّ عبرها عادة نحو 15% من حجم التجارة البحرية العالمية، ودَفعت كثيراً من الشركات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف في المتوسط عشرة أيام أو أكثر إلى زمن الرحلات. ومن جهة الطاقة، تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة أن تدفقات النفط عبر باب المندب هبطت في 2024 حتى آب إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً، مقارنة بـ8.7 ملايين برميل يومياً في 2023، بما يعكس كيف يترجم الخطر الأمني سريعاً إلى انكماش فعلي في الحركة.

المعنى العملي لذلك هو أن توقّعات سهولة الملاحة والشحن لم تعد تُقاس فقط بسؤال: هل الممر مفتوح قانونياً أم مغلق؟ بل بسؤال أدق: هل المرور آمن وقابل للتأمين ومجدٍ اقتصادياً؟ في النزاعات البحرية الحديثة، قد يبقى الممر مفتوحاً على الورق، لكنه يصبح شبه معطّل فعلياً عندما ترتفع أقساط التأمين إلى مستويات صادمة، أو حين ترفض الشركات تعريض الأطقم والسفن للخطر، أو عندما تتغيّر توجيهات الأساطيل البحرية والناقلات الكبرى. رويترز أفادت هذا الشهر بأن أقساط التأمين البحري ضد مخاطر الحرب قفزت بأكثر من 1000% في بعض الحالات، وأن التسعير بات يتم على أساس كل رحلة على حدة، لا كسياق تجاري عادي. هذا وحده كفيل بجعل الشحن أبطأ وأكثر انتقائية وأكثر كلفة، حتى قبل الحديث عن أي إغلاق كامل.

وعندما تدخل جماعة الحوثي فعلياً على خط الحرب، فإن التهديد في باب المندب يصبح أكثر من مجرد احتمال نظري. رويترز نقلت في 26 مارس أن الحوثيين أعلنوا الجهوزية للانخراط عسكرياً إذا اقتضت الحاجة، وأن باب المندب سيكون هدفاً بديهياً إذا فُتحت جبهة بحرية جديدة. كما نقلت أن هذا الممر، الذي يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 18 ميلاً فقط، يضبط الحركة نحو قناة السويس ويحمل شحنات نفط ووقود وسلعاً متجهة إلى المتوسط وأوروبا وآسيا. هذا يعني أن المخاطر هنا ليست مخاطر "إغلاق تام" بالضرورة، بل مخاطر هجمات متقطعة، واستنزاف، ورفع كلفة المرور، وإجبار متزايد على التحويل إلى طرق أطول.

انطلاقاً من ذلك، التوقع الأكثر ترجيحاً للملاحة والشحن في المدى القريب ليس الانهيار الكلي الفوري لكل الحركة، بل الانتقال إلى ملاحة أصعب وأغلى وأكثر بطئاً وانتقائية. بعض السفن سيواصل العبور تحت حماية بحرية أو بتكلفة تأمين مرتفعة للغاية، وبعضها سيتوقف مؤقتاً، وبعضها سيلتف حول إفريقيا. هذا ليس تقديراً نظرياً فقط، بل هو سلوك قائم فعلاً. صندوق النقد وثّق أن شركات عدة حوّلت مساراتها حول رأس الرجاء الصالح مع زيادة زمن التسليم. ورويترز نقلت هذا الأسبوع أن Hapag-Lloyd تتحمّل كلفة إضافية تتراوح

بين 40 و50 مليون دولار أسبوعياً، وأن ستة سفن لها ما زالت عالقة في الخليج بسبب إغلاق هرمز أمام الشحن التجاري منذ أواخر شهر شباط 2026.

أما على مستوى الطاقة، فالصورة أشد حساسية. إذا بقيت الضغوط الأساسية في هرمز وحده، فإن العالم سيواجه أولاً صدمة أسعار وتأمين ونقل، مع محاولة امتصاص جزء من الصدمة عبر المخزونات، وخطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات، وإعادة توجيه الشحنات. لكن إذا ترافق ذلك مع تهديد جدي في باب المندب، فإن قدرة الخليج على تحويل جزء من الإمدادات نحو البحر الأحمر تصبح أقل فاعلية، لأن المخرج الغربي نفسه يدخل دائرة الخطر. هنا تحديداً يصبح اقتران هرمز بباب المندب أخطر بكثير من كل واحد منهما منفرداً. فهرمز يختنق من الشرق، وباب المندب يهدّد من الجنوب، وبينهما ترتفع كلفة كل بديل. هذا لا يعني بالضرورة "نفاد الطاقة" عالمياً بالمعنى الفوري، لكنه يعني شيئاً مختلفاً وأكثر واقعية: تراجع سهولة الوصول إلى الطاقة، وارتفاع الكلفة النهائية الواصلة، واضطراب الجداول، وتفاوت القدرة على الشراء بين الدول. الدول الغنية ستظل قادرة غالباً على جذب الإمدادات لأنها تدفع أكثر وتتحمّل تكلفة النقل والتأمين، بينما ستكون الدول الأضعف مالياً أو الأعلى مديونية أو الأكثر اعتماداً على الاستيراد هي الأكثر تضرراً. لذلك فإن أثر الأزمة لن يظهر فقط في سعر برميل النفط المرجعي، بل في الكلفة الواصلة للمستهلكين والشركات والحكومات، أي في النقل والتأمين والتمويل والتأخير، وهذه هي القناة التي تتحول عبرها الأزمة البحرية إلى تضخم عالمي.

وفي ما يخص الغذاء، فإن الخطر أقل مباشرة من النفط لكنه قد يكون أشد قسوة على الدول الفقيرة. الغذاء لا يعتمد فقط على السفن لنقله، بل يعتمد أيضاً على الطاقة لتشغيل سلاسل الإنتاج والتبريد والنقل، كما يعتمد على الأسمدة التي تتأثر بدورها بأسعار الغاز والكبريت والشحن. رويترز ذكرت في مارس أن الحرب عطّلت ممرات المساعدات الإنسانية البحرية والجوية والبرية، وأخّرت شحنات منقذة للحياة إلى بعض أكثر مناطق العالم هشاشة، فيما تُحذّر تقارير أممية وإعلامية من أن ارتفاع كلفة الوقود والشحن والأسمدة قد يدفع أسعار الغذاء إلى الأعلى ويزيد هشاشة الأمن الغذائي في إفريقيا وآسيا. لذا فالتوقع المعقول ليس اختفاء الغذاء من الأسواق العالمية، بل اتساع الفجوة بين من يستطيع تحمّل الغذاء ومن لا يستطيع، مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية والتأخير في وصولها وتفاقم الأثر على الدول المستوردة الصافية.

إذا أردنا تلخيص التوقعات بصورة تحليلية، فيمكن القول إن الملاحة لن تصبح مستحيلة بالكامل إلا إذا حصل تصعيد شامل وممتد مع ضربات مباشرة متكررة على السفن أو زرع ألغام واسع النطاق أو فشل كامل في الحماية البحرية. لكن حتى من دون هذا السيناريو الأقصى، فإن الملاحة الطبيعية قد انتهت بالفعل في هذه المرحلة. نحن أمام ملاحة ممكنة نظرياً، لكنها صعبة عملياً، مكلفة تأمينياً، بطيئة زمنياً، ومنتقاة تجارياً.

والطاقة لن تنقطع عن العالم، لكنها ستصبح أعلى كلفة وأكثر حساسية للمفاجآت. والغذاء لن يختفي، لكنه سيصل متأخراً وبأسعار أعلى، مع أثر أقسى على الدول الهشة والأسر الأفقر. وهنا تحديداً يدخل لبنان إلى قلب المشهد، لا على هامشه. فبلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين الطاقة والغذاء، ويعمل بعملة ضعيفة ونظام مالي مثقل، لن يتأثر فقط بارتفاع الأسعار العالمية، بل بما هو أخطر: الكلفة النهائية الواصلة، أي كلفة الشحن والتأمين والتأخير. هذه الكلفة هي التي ستُترجم مباشرة إلى تضخم محلي، وضغط إضافي على القدرة الشرائية، وتآكل ما تبقى من استقرار اجتماعي هش. الخطر الحقيقي، إذاً، ليس فقط في إغلاق ممرّ هنا أو تهديد ممرّ هناك، بل في تزامن اختناق عقدتين بحريتين في وقت واحد. عندها لا يعود السؤال: هل يستطيع العالم الاستمرار في الشحن؟ بل يصبح: بأي كلفة، ولمن أولاً، ومن سيدفع الثمن في النهاية؟

وفي العادة، لا يدفع الثمن الأكبر من يملك السفن ولا من يملك النفط، بل من يستورد الطاقة والغذاء بعملات ضعيفة وموازنات مكسورة. ولبنان، في هذا السياق، ليس استثناءً بل مثالاً صارخاً. فهو يقف عند تقاطع هش بين الاعتماد على الخارج وضعف الداخل، ما يجعله من أوائل المتلقين لصدمات الكلفة، لا لصدمات الانقطاع فقط. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد الحالي أخطر من مجرد أزمة شحن عابرة: إنه اختبار قاسٍ لقدرة النظام التجاري العالمي على التحمل، واختبار أقسى لقدرة دول مثل لبنان على الصمود في وجه حرب لا تُخاض على أراضيها فقط، بل تمرّ عبر ممرّاتها البحرية التي لم تعد آمنة كما كانت.