لا يزال زوج استرليني/دولار GBP/USD يتحرك في بيئة شديدة الحساسية للمخاطر الجيوسياسية، حيث أثبتت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية أن الأسواق أصبحت تتفاعل مع الأخبار السياسية بوتيرة أسرع من استجابتها للبيانات الاقتصادية التقليدية. وبرغم أن الجنيه الإسترليني بدأ الأسبوع بقوة نسبية، فإن تلك المكاسب تبخرت سريعًا مع تصاعد التوترات، وهو ما يعكس هشاشة الاتجاه الصاعد وضعف ثقة المستثمرين في قدرة العملة البريطانية على الحفاظ على زخم إيجابي مستدام في ظل استمرار حالة عدم اليقين العالمي.
ومن وجهة نظري، فإن العامل الجيوسياسي أصبح المحرك الرئيسي لزوج الباوند/الدولار في المرحلة الحالية، متقدمًا على العوامل النقدية والاقتصادية، وهو تحول مهم في ديناميكية السوق. فالتصعيد العسكري والتهديدات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية للطاقة يرفعان مستوى النفور من المخاطر عالميًا، ما يدفع المستثمرين تلقائيًا نحو الدولار الأمريكي باعتباره ملاذًا آمنًا. لذلك أرى أن أي موجة صعود للجنيه الإسترليني خلال الفترة الراهنة تظل عرضة للانعكاس السريع، خاصة إذا ظهرت مؤشرات جديدة على توسع الصراع أو تعثر جهود التهدئة الدبلوماسية.
كما أعتقد أن الصورة العامة لا تزال تميل بوضوح إلى السلبية، حيث يواصل الزوج التداول دون المتوسط المتحرك طويل الأجل، وهو ما يعكس استمرار الاتجاه الهابط من منظور استراتيجي. وفي تقديري، فإن فشل الزوج في الاستقرار فوق مناطق المقاومة الرئيسية خلال الارتدادات الأخيرة يشير إلى أن السوق لا يزال يفتقر إلى قوة شرائية حقيقية قادرة على تغيير الاتجاه العام. لذلك أتوقع أن تظل أي تحركات صعودية في الوقت الحالي ضمن نطاق تصحيحي مؤقت، ما لم نشهد تحسنًا جوهريًا في المعطيات الاقتصادية أو السياسية.
وأرى أن مرونة الجنيه الإسترليني الأخيرة تعود بدرجة كبيرة إلى موقف بنك إنجلترا المتشدد نسبيًا مقارنة ببعض البنوك المركزية الأخرى، حيث حافظ البنك على نبرة حذرة بشأن التضخم، ما أعطى دعمًا مؤقتًا للعملة البريطانية. ومع ذلك، فإنني أعتقد أن تأثير السياسة النقدية البريطانية سيظل محدودًا إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع نتيجة التوترات الجيوسياسية، لأن ذلك سيضغط على النمو الاقتصادي ويقيد قدرة البنك المركزي على تشديد السياسة النقدية بشكل كبير. ومن هنا، أرى أن التوقعات المستقبلية للجنيه ستبقى مرتبطة بالتوازن بين التضخم والنمو، وهو توازن هش في المرحلة الحالية.
من ناحية البيانات الاقتصادية، فإن ثبات معدل التضخم البريطاني قرب مستوى 3% لا يعكس الصورة الكاملة للضغوط التضخمية المحتملة، خاصة مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الذي لم يظهر بعد في المؤشرات الرسمية. وفي تقديري، فإن الأسواق قد تفاجأ بارتفاع جديد في التضخم خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الأزمة الجيوسياسية، وهو ما قد يدفع بنك إنجلترا إلى تأجيل أي تخفيف للسياسة النقدية. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لن يكون داعمًا بالضرورة للجنيه الإسترليني، لأن ارتفاع التضخم في ظل تباطؤ النمو قد يؤدي إلى بيئة اقتصادية صعبة تعرف بظاهرة الركود التضخمي.
أما فيما يتعلق بالاقتصاد البريطاني، فأرى أن بيانات مبيعات التجزئة والنمو الاقتصادي الأخيرة تشير إلى تباطؤ تدريجي في النشاط الاقتصادي، وهو اتجاه قد يتسارع إذا استمرت حالة عدم اليقين العالمية. فالمستهلك البريطاني يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، ما قد يؤدي إلى انخفاض الإنفاق الاستهلاكي خلال الأشهر المقبلة. لذلك أتوقع أن يظل الأداء الاقتصادي البريطاني دون المستوى المطلوب لدعم الجنيه الإسترليني بشكل قوي، خاصة في ظل المنافسة مع اقتصاد أمريكي لا يزال يظهر قدرًا من المرونة.
من جهة أخرى، أعتقد أن البيانات الاقتصادية الأمريكية، وعلى رأسها تقرير الوظائف غير الزراعية وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، ستلعب دورًا محوريًا في تحديد اتجاه الدولار خلال الفترة القادمة. فإذا أظهرت البيانات استمرار قوة سوق العمل الأمريكي، فقد يعزز ذلك توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما سيدعم الدولار ويضغط على زوج الباوند/الدولار. أما إذا جاءت البيانات أقل من التوقعات، فقد نشهد تراجعًا مؤقتًا في العملة الأمريكية، ما يفتح المجال أمام ارتداد تصحيحي للجنيه.
وفي تقديري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير يتمثل في استمرار التداول داخل نطاق متقلب يميل إلى الهبوط، مع بقاء مستوى الدعم قرب منطقة 1.3200 نقطة محوريًا في تحديد الاتجاه القادم. فإذا تمكن الزوج من كسر هذا المستوى بشكل واضح، فقد نشهد تسارعًا في وتيرة الهبوط نحو مستويات أدنى خلال الأسابيع المقبلة. أما في حال صمود الدعم وظهور مؤشرات على تهدئة التوترات الجيوسياسية، فقد يتحرك الزوج في موجة تصحيحية صاعدة محدودة قبل استئناف الاتجاه العام.
وعلى المدى المتوسط، أرى أن مستقبل زوج استرليني/دولار سيظل مرتبطًا بثلاثة عوامل رئيسية: تطورات الحرب في الشرق الأوسط، مسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة وبريطانيا، وأداء الاقتصاد العالمي. وفي حال استمرت حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع أسعار الطاقة، فإن ذلك سيعزز قوة الدولار ويزيد الضغوط على الجنيه الإسترليني. لذلك أعتقد أن المخاطر لا تزال تميل إلى الجانب الهبوطي، وأن المستثمرين يجب أن يتعاملوا بحذر مع أي موجات صعود مؤقتة في السوق.
وخلاصة وجهة نظري هي أن الجنيه الإسترليني لا يزال عرضة للخطر في المرحلة الحالية، وأن الاتجاه العام لزوج الباوند/الدولار يميل إلى الهبوط ما لم تحدث تغيرات جوهرية في المشهد الجيوسياسي أو الاقتصادي. ورغم احتمالات حدوث ارتدادات فنية قصيرة الأجل، فإنني أتوقع أن تظل الضغوط السلبية مسيطرة على حركة الزوج خلال الفترة المقبلة، مع استمرار تقلبات السوق وارتفاع حساسية المستثمرين للأخبار السياسية والاقتصادية على حد سواء.