ارتفعت العقود الآجلة لنفط خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 2% اليوم، مستقرة فوق مستوى 114 دولاراً للبرميل، كما تقترب بذلك من أعلى مستوياتها منذ عام 2014.
يأتي الارتفاع المستمر في أسعار النفط وسط ترقب السوق لمزيد من التصعيد في الشرق الأوسط، مما يهدد بحدوث اضطراب مزمن وهيكلي في سلاسل توريد النفط الخام القادمة من المنطقة، في حين لا تزال آمال ضئيلة قائمة بشأن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
تستعد أسواق الطاقة لصدمة إمدادات هائلة مع دخول المسرح الجيوسياسي المرحلة الأكثر خطورة في الحرب؛ حيث يخطط الرئيس دونالد ترامب لشن ضربات شاملة على محطات الطاقة والجسور الإيرانية إذا مر الموعد النهائي ليلة الثلاثاء دون تحقيق اختراق دبلوماسي. حقنت هذه المهلة النهائية الوشيكة عند الساعة الثامنة قلقاً شديداً في مستويات تسعير الخام.
تبدو احتمالات الانفراج في اللحظات الأخيرة قاتمة بشكل متزايد للمتداولين الذين يأملون في الاستقرار، كما يشير تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال إلى أن المفاوضين يشعرون بتشاؤم عميق بشأن جسر الفجوة الهائلة بين مطالب واشنطن ومقترحات طهران المضادة. بناءً على ذلك، يسعر سوق الطاقة بنشاط تصعيداً عسكرياً وشيكاً وحاداً.
قد تؤدي الردود اللاحقة إلى تدمير قدرات استخراج النفط في الشرق الأوسط، إذا أطلقت الإدارة الأميركية العنان لضربات ضد البنية التحتية المدنية؛ حيث يعني الدمار المادي لهذه المرافق أن مجرد إعادة فتح مضيق هرمز سيفشل في استعادة توازن السوق العالمي. سيواجه المستثمرون حينها نقصاً مزمناً في الإمدادات يستمر لعدة سنوات.
يقدم الواقع التكتيكي على الأرض مفارقة محبطة للبيت الأبيض؛ فبينما تطالب الإدارة بالاستسلام الكامل، فشلت في تأمين أهدافها الأولية وسط تصاعد الاحتكاك العملياتي، مثل عملية الإنقاذ الأخيرة لطيارين أميركيين أسقطت طائراتهم وتضاؤل مخزونات الذخائر المتقدمة. يترك هذا الرئيس محاصراً بين نفوره من الانخراط لفترات طويلة ورفضه قبول أي شيء يقل عن النصر المطلق.
يتجاوز الصراع تقلبات النفط الفورية، حيث يهدد بتغيير ميزان القوى العالمي بشكل دائم، كما يشير الدكتور روبرت أ. بيب في مقال للرأي في صحيفة نيويورك تايمز إلى أن إيران تستخدم سيطرتها على مضيق هرمز لتبرز كمركز رابع للهيمنة العالمية. كما تمارس طهران نفوذاً استراتيجياً هائلاً من خلال التلاعب بنسبة عشرين في المئة من تدفقات الطاقة العالمية عبر حصار انتقائي.
يحذر بيب من أن الاقتصادات الآسيوية ودول الخليج قد تضطر حتماً لمراعاة المصالح الإيرانية لتأمين شريان حياة الطاقة الخاص بها؛ حيث يمكن أن يحفز ذلك ظهور كارتل طاقة جديد ومدمر إلى جانب روسيا والصين، مما يقلص النفوذ الغربي بشكل دائم.
لا تستطيع واشنطن، بمعرفتها بهذا الخطر، تحمل سحب القوات بشكل سابق لأوانه يترك إيران المنتصرة مسيطرة على الطاقة العالمية.
تترك هذه العوامل مجتمعة الأسواق المالية محاصرة في حالة من عدم اليقين العميق، فيما يجب على المتداولين قبول أن التوصل إلى حل في الأمد القريب يظل مستبعداً للغاية، في ظل عدم رغبة التحالف الأميركي الإسرائيلي ولا النظام الإيراني في تقديم تنازلات.
يمكن أن تظل نظرة أسعار النفط هابطة على المدى الطويل، فيما يكون الفائز الحقيقي هو الطرف غير المشارك مباشرة في الحرب. وفقاً لصحيفة واشنطن بوست، تقف الصين لتصبح المستفيد الرئيسي من أزمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران؛ فبينما يؤدي التقلب العالمي في إمدادات الوقود الأحفوري إلى تسريع الانتقال نحو الطاقة المتجددة، يشهد مصنعو الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات والسيارات الكهربائية في الصين طفرة في الطلب وتقييمات الأسهم. يوفر هذا التحول الجيوسياسي شريان حياة حيوياً للصناعات الثلاث الجديدة في الصين، والتي عانت مؤخراً من فائض حاد في قدرات التصنيع، كما أن مدى الهيمنة الصينية قد يظل محدوداً بسبب المخاوف الأمنية القومية المتزايدة وجهود فك الارتباط الحمائية في الغرب.
إذا شهدنا عودة المنافسة والدفع نحو الطاقة المتجددة، فقد يعزز ذلك النظرة الهابطة لأسعار النفط على المدى الطويل، إلا أن دعم ترامب المحدد للوقود الأحفوري، واتجاه الاقتصاد العالمي نحو الانكماش أو الركود بسبب التضخم، والاضطرابات في سلاسل توريد الوقود الأحفوري الحيوية لقطاع الطاقة المتجددة، كلها عوامل قد تتحدى هذه النظرة.