تخطي إلى المحتوى
تحليل

هدنة تحت الضغط: كيف فرضت القوة إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

هدنة تحت الضغط: كيف فرضت  القوة إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

ما أُعلن الليلة ليس اتفاق سلام، بل هدنة محسوبة بدقة، صيغت تحت ضغط عسكري مباشر، وتهدف إلى اختبار ما إذا كان بالإمكان ترجمة التفوق الميداني إلى مكاسب سياسية.

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الضربات لمدة أسبوعين لم يأتِ من باب التهدئة المجردة، بل جاء بعد إنذار واضح لإيران : إما إعادة فتح مضيق هرمز قبل الساعة الثامنة مساءً، أو مواجهة ضربات تستهدف البنية التحتية الحيوية، من محطات الكهرباء إلى الجسور ، أي ما يعني عملياً شلّ مفاصل الدولة.

في هذا السياق، جاءت الوساطة الباكستانية، حيث لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دوراً أساسياً في طلب تأجيل الضربة لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي. وافقت واشنطن، لكن من موقع قوة، وليس من موقع تراجع.

طبيعة الهدنة هي مشروطة، مؤقتة، وقابلة للانهيار. نعم هذه الهدنة لا تشبه اتفاقات وقف إطلاق النار التقليدية. هي تقوم على معادلة واضحة: إذا فُتِح مضيق هرمز وتوقفت الهجمات، تتوقف العمليات العسكرية الأميركية.

إيران من جهتها أعلنت أنها ستوقف “عملياتها الدفاعية” في حال توقف الهجوم عليها، ما يعني أننا أمام صيغة لا اتفاقاً نهائياً قائماً على التزامات ثابتة أو ثقة متبادلة.

كما أن الهدنة محددة بسقف زمني واضح: أسبوعان فقط، خُصصت لفتح باب التفاوض ومحاولة الوصول إلى إطار أوسع. وأسس التفاوض تتضمن نفس المطالب ولكن تحت ضغط مختلف. فبرغم الحديث عن مقترحات جديدة، إلا أن جوهر الخلاف لم يتغير. إيران، بحسب ما تم تداوله، تطالب برفعٍ كامل للعقوبات ، والقبول باستمرار تخصيب اليورانيوم ، والحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، ووقف الهجمات عليها وعلى حلفائها.

في المقابل، تتمسك واشنطن بالمطالب التقليدية الممتدة منذ أكثر من عقدين وتتخلص بكبح البرنامج النووي، الحد من الصواريخ، وقف دعم الميليشيات، وضمان حرية الملاحة.

الجديد هنا ليس في مضمون المطالب، بل في السياق الذي تُطرح فيه.

الإدارة الأميركية تعتبر أن ما تحقق عسكرياً خلال 38 يوماً من عملية “Epic Fury” هو ما غيّر قواعد اللعبة. بحسب البيت الأبيض، تم تحقيق الأهداف الأساسية، وخلق “أقصى ضغط” أجبر إيران على الدخول في مسار تفاوضي لم تكن تقبله سابقاً. إغلاق مضيق هرمز وما تبعه من ارتفاع حاد في أسعار الوقود عالمياً، إضافة إلى التهديد المباشر بضرب البنية التحتية، وضع طهران أمام معادلة مختلفة. فإما الاستمرار في التصعيد ، أو القبول بهدنة تفتح باب التفاوض.

رغم ذلك، لا يزال الخطاب الإيراني يتحدث عن “انتصار” ويطرح شروطاً مرتفعة السقف، في محاولة للحفاظ على صورة داخلية قوية.

لكن القبول بهدنة مؤقتة والدخول في وساطة يشير إلى استجابة واضحة لمعادلة الضغط. في المقابل، تحاول واشنطن تقديم الهدنة كفرصة دبلوماسية نتجت عن قوة عسكرية، لا بديلاً عنها.

ومع ذلك، يبقى السقف الأميركي واضحاً ، فإذا فشلت المفاوضات، فإن الخيارات العسكرية لا تزال قائمة.

هذه الهدنة ليست نهاية الحرب، بل اختباراً حقيقياً لمسارها القادم. إما أن تتحول إلى اتفاق أوسع يعيد ضبط العلاقة بين الطرفين، أو أن تكون مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة قد تكون أصعب وأكثر قسوة.