تتحرك أسعار الفضة حاليًا في منطقة حساسة قرب مستوى 76 دولار للأونصة ضمن تداولات XAG/USD، بعد أن لامست قاعًا يوميًا عند 72.61 دولار، في مشهد يعكس بوضوح الزخم الصعودي الذي كان ضعيفاً في تحركات المعدن خلال الأسابيع الماضية. ومن وجهة نظري، فإن هذا التذبذب ليس مجرد حركة عرضية عابرة، بل يمثل بداية مرحلة انتقالية في سلوك السوق، حيث تنتقل الفضة من موجة اندفاع مدفوعة بالمخاطر إلى مرحلة إعادة تقييم أكثر تعقيدًا تحكمها العوامل الأساسية والمالية معًا.
كما أرى أن العامل الجيوسياسي لعب دورًا مزدوجًا ومربكًا في حركة الفضة مؤخرًا. فمن جهة، أدى فشل محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران وعودة التهديدات المتعلقة بمضيق هرمز إلى تعزيز الطلب على الدولار الأميركي كملاذ آمن، وهو ما شكل ضغطًا مباشرًا على الفضة. ومن جهة أخرى، فإن تصاعد التوترات عادة ما يدعم المعادن الثمينة، لكن المفارقة هنا تكمن في أن الفضة لم تستفد بنفس القوة التي استفاد بها الذهب، وهو ما يعكس، برأيي، حساسية الفضة الأكبر تجاه تحركات الدولار والعوائد الحقيقية مقارنة بالذهب.
وفي تقديري، فإن التراجع النسبي في أسعار الفضة رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية يشير إلى تحول في أولويات المستثمرين، حيث أصبح التركيز منصبًا بشكل أكبر على السياسة النقدية الأمريكية. بيانات التضخم الأخيرة، خاصة مؤشر أسعار المستهلك، أظهرت استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما يعزز موقف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي ويدفع الأسواق لتسعير سيناريو إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وهذا العامل تحديدًا أراه الأكثر تأثيرًا في كبح جماح الفضة، نظرًا لكونها أصلًا لا يدر عائدًا، وبالتالي تتأثر سلبًا بارتفاع تكلفة الفرصة البديلة.
لذا أعتقد أن الفضة ربما بدأت بجمع الزخم الصعودي ليس بسبب الطلب الفعلي فقط، بل نتيجة تشبع بيعي حديثاً دفع الأسواق إلى الارتفاع. والوصول إلى مستويات فوق 76 دولار جاء بعد موجة هبوط قوية، وبالتالي فإن ما نشهده الآن قد يكون ببساطة إعادة تموضع للمستثمرين. ومع ذلك، فإن استمرار التداول دون اختراق واضح لمستويات مقاومة أعلى يعزز احتمالات الدخول في مرحلة تصحيحية قصيرة المدى.
في المقابل، لا يمكن تجاهل العوامل الداعمة طويلة الأجل للفضة، والتي تجعلني حذرًا من تبني نظرة سلبية . فالطلب الصناعي، خاصة من قطاعات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا، لا يزال قويًا نسبيًا، كما أن أي تصعيد إضافي في التوترات الجيوسياسية قد يعيد توجيه التدفقات نحو المعادن الثمينة. لكن في الأجل القصير، أرى أن هذه العوامل غير كافية لتعويض تأثير الدولار القوي والسياسة النقدية المتشددة.
وبالنسبة لتوقعاتي، أرجح أن تبقى الفضة في نطاق تذبذب بين 72 و76 دولار خلال الفترة القريبة، مع ميل طفيف نحو الهبوط طالما استمر الضغط من جانب الدولار وعوائد السندات. وكسر مستوى 72 دولار بشكل واضح قد يفتح المجال أمام تصحيح أعمق، بينما يحتاج أي سيناريو صعودي إلى لاختراق مستويات 80 دولار ومحفز قوي مثل تراجع مفاجئ في التضخم أو تحول في لهجة الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير.
وفي النهاية، أرى أن السؤال المطروح—هل ما يحدث تصحيح أم فرصة شراء—لا يمكن الإجابة عليه بإطلاق، بل يعتمد على الإطار الزمني للمستثمر. على المدى القصير، أتعامل مع السوق بحذر وأميل إلى سيناريو التصحيح، أما على المدى المتوسط إلى الطويل، فإن أي تراجعات قد تمثل فرص دخول تدريجية، خاصة إذا استقرت الأسعار قرب مستويات دعم قوية. وهذه الرؤية تعكس قناعتي بأن الفضة لا تزال تحتفظ بأساسيات داعمة، لكنها تمر حاليًا بمرحلة إعادة تسعير ضرورية وصحية.