واصلت الفضة فرض حضورها اللافت في الأسواق العالمية، ليس فقط باعتبارها معدنًا نفيسًا يلجأ إليه المستثمرون في أوقات القلق، بل أيضًا كأصل مالي حساس يتفاعل بسرعة مع التحولات الجيوسياسية والنقدية والاقتصادية. وفي ظل التداولات الأخيرة التي شهدت تراجعًا محدودًا لسعر الفضة بعد فشله في اختراق حاجز 79 دولارًا، يبرز سؤال محوري يفرض نفسه على المشهد الاستثماري: هل لا تزال الفضة تحتفظ بزخم الصعود، أم أن السوق تقترب من مرحلة فقدان الزخم بعد موجة ارتفاعات قوية؟ من وجهة نظري، فإن الإجابة لا تزال تميل إلى الإيجابية الحذرة، إذ إن العوامل الأساسية التي دعمت الفضة خلال الفترة الماضية لم تتلاشَ بالكامل، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
وفي تقديري، فإن العامل الجيوسياسي لا يزال يحتل موقعًا متقدمًا في تحديد اتجاه الفضة على المدى القريب، خصوصًا مع التطورات المرتبطة بالعلاقات الأميركية الإيرانية واحتمالات التوصل إلى تفاهمات تقلص من مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط. ورغم أن الأسواق استقبلت بإيجابية التقارير التي تحدثت عن قرب اتفاق يضمن تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، فإن المشهد لا يبدو محسومًا بعد، في ظل استمرار الرسائل المتضاربة القادمة من واشنطن وطهران. ومن وجهة نظري، فإن أي تقدم سياسي مؤقت قد يدفع الأسواق إلى التقاط الأنفاس ويحدّ من وتيرة الصعود الحاد للمعادن الثمينة، لكنه لن يكون كافيًا لإحداث انعكاس هبوطي كبير، لأن المستثمرين يدركون أن المنطقة لا تزال تحمل في طياتها احتمالات مفاجآت جيوسياسية قادرة على إعادة إشعال الطلب على الملاذات الآمنة بسرعة.
لكن القراءة الأساسية للفضة لا يمكن أن تقتصر على الجانب السياسي وحده، فالمعادلة النقدية الأميركية تبقى العامل الأكثر تأثيرًا في رسم الاتجاه العام. وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، خاصة مع استمرار الجدل داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة. فبينما كانت الأسواق تراهن في فترات سابقة على مسار أكثر وضوحًا نحو التيسير النقدي، جاءت تصريحات بعض أعضاء الفيدرالي، ومن بينهم كريستوفر والر، لتشير إلى تراجع الحماسة تجاه خفض الفائدة السريع. وبرأيي، يمثل هذا التحول عنصر ضغط نفسي على الفضة، لأن استمرار الفائدة المرتفعة عادة ما يعزز جاذبية الدولار والأصول ذات العوائد، ما يقلل نسبيًا من بريق المعادن غير المدرة للدخل. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا العامل سيكون كافيًا وحده لكسر الاتجاه الصاعد، لأن الأسواق باتت أكثر اقتناعًا بأن دورة التشديد النقدي الأميركية اقتربت من نهايتها حتى وإن تأجلت خطوات الخفض.
ومن وجهة نظري، فإن أحد أبرز أسباب صمود الفضة فوق مستوياتها الحالية يتمثل في تغير طبيعة الطلب العالمي عليها. فالفضة لم تعد مجرد ملاذ آمن أو أصل مضاربي، بل أصبحت أيضًا معدنًا صناعيًا استراتيجيًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة، خاصة صناعة الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية. وهذا التحول يمنح الفضة قاعدة دعم مختلفة عن الذهب، ويجعل أي تراجعات سعرية عرضة لظهور مشترين يبحثون عن فرص استثمارية متوسطة وطويلة الأجل. لذلك أرى أن التراجعات الحالية قد تكون أقرب إلى عمليات تصحيح صحية داخل اتجاه صاعد أكبر، لا إلى بداية مسار هبوطي ممتد.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل حقيقة
ان الاسعار بدأت تعطي إشارات متباينة. ففشل السعر في تجاوز مستوى 79 دولارًا يعكس وجود مقاومة قوية وحالة من الحذر لدى المستثمرين، لكن احتفاظ الفضة بتداولاتها أعلى منطقة 77 دولارًا يوحي بأن المشترين لا يزالون يملكون القدرة على الدفاع عن الاتجاه الصاعد. ومن وجهة نظري، فإن بقاء الأسعار ضمن هذا النطاق يعكس مرحلة تجميع وانتظار لمحفز جديد، سواء جاء من السياسة النقدية الأميركية أو من أي تطور جيوسياسي مفاجئ. لذلك أعتقد أن السوق لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وأن الحديث عن نهاية موجة الصعود يبدو مبكرًا في هذه المرحلة.
مع ذلك، فإن النظرة الإيجابية لا تعني تجاهل المخاطر المحتملة. ففي حال نجحت الولايات المتحدة وإيران في الوصول إلى اتفاق أكثر استقرارًا يقلص بشكل فعلي من المخاطر الإقليمية، بالتزامن مع استمرار تشدد الفيدرالي الأميركي أو صدور بيانات اقتصادية قوية تدعم الدولار، فقد تواجه الفضة ضغوطًا تصحيحية أوسع. وأرى أن هذا السيناريو قد يدفع الأسعار إلى إعادة اختبار مستويات دعم أدنى قبل استعادة الزخم، لكنه لن يغير الصورة العامة ما لم يحدث تحول جذري في التوقعات النقدية العالمية.
وفي المحصلة، أرى أن الفضة لا تزال تحتفظ بزخم الصعود، ولكن بصورة أكثر حذرًا وانتقائية مقارنة بالأشهر الماضية. فالسوق لم تعد تتحرك بدافع الخوف وحده، بل أصبحت أسيرة توازن دقيق بين التفاؤل الجيوسياسي، وتوقعات الفائدة الأميركية، والطلب الصناعي المتزايد. ومن وجهة نظري، فإن أي تراجعات محدودة قد تشكل فرصًا لإعادة بناء المراكز الشرائية، طالما بقيت المخاطر العالمية قائمة واستمرت الضبابية بشأن السياسة النقدية الأميركية. لذلك أميل إلى الاعتقاد بأن الفضة لا تزال تملك فرصة تسجيل موجات صعود جديدة، لكن بوتيرة أبطأ وأكثر حساسية للأخبار، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة المعدن الأبيض على الحفاظ على بريقه الاستثماري وسط عالم لا يزال يعاني من اختلالات عميقة وعدم يقين متزايد.