لماذا انتقل صندوق النقد الدولي إلى توصيف الأزمة اللبنانية كأزمة نظامية؟ فالصندوق، من حيث المبدأ، لا يستخدم مصطلح "أزمة نظامية" لتبرئة أحد أو لتوزيع المسؤولية على الجميع. بل يستخدمه لوصف حجم الأزمة وانتشارها وآثارها على النظام الاقتصادي والمالي ككل. في بداية الانهيار، كان بالإمكان النظر إلى الأزمة على أنها أزمة سيولة مصرفية أو أزمة دين سيادي أو أزمة سعر صرف. لكن مع مرور الوقت، اتسع نطاق الانهيار ليشمل المصارف، والمالية العامة، والعملة الوطنية، والقدرة الشرائية، وسوق العمل، والخدمات العامة، والاستثمار، والفقر، والهجرة، وحتى الثقة بالمؤسسات. عندها أصبحت الأزمة، بحكم تعريفها الاقتصادي، أزمة نظامية لأنها أصابت معظم مكونات النظام الاقتصادي والاجتماعي. لكن هنا تكمن الإشكالية. فالتوصيف النظامي للأزمة لا يعني بالضرورة أن أسبابها كانت نظامية. هناك فرق كبير بين أزمة نظامية في النتائج، وأزمة نظامية في المسؤولية. صندوق النقد يهتم أساساً بالنتائج الاقتصادية وكيفية معالجتها. أما مسألة من تسبب بالأزمة ومن كان يملك سلطة القرار ومن تجاهل المؤشرات التحذيرية، فهي مسألة حوكمة ومحاسبة وسياسة عامة أكثر منها مسألة تصنيف اقتصادي. لذلك يمكن القول إن الصندوق نظر إلى لبنان من زاوية الطبيب الذي يرى مريضاً يعاني فشلاً متعدد الأعضاء. عندما يصل المريض إلى هذه المرحلة، يصبح التشخيص حالة جهازية شاملة بغض النظر عن العضو الذي تسبب بالمشكلة أولاً. غير أن هذا المنطق يحمل خطراً سياسياً في الحالة اللبنانية. فعندما تُوصف الأزمة بأنها نظامية، قد يُفهم الأمر وكأن المجتمع بأسره، أو الاقتصاد بأسره، أو النموذج اللبناني بأسره، هو المسؤول عن الانهيار. وهنا تضيع الحدود بين من دفع الثمن ومن اتخذ القرار. ولهذا السبب أرى أن المقاربة الأدق هي القول إن الأزمة اللبنانية أصبحت نظامية في آثارها، لكنها لم تكن متساوية في مسؤولياتها. فالمودعون لم يضعوا السياسات النقدية. والموظفون لم يقرروا الهندسات المالية. وأصحاب الأجور لم يحددوا سياسات الاقتراض العام. واللبنانيون الذين خسروا مدخراتهم لم يكونوا الجهة التي امتلكت سلطة الرقابة والتنفيذ.
إن وصف الأزمة بأنها نظامية كان مفيداً للصندوق من أجل تبرير الحاجة إلى حزمة إصلاح شاملة تشمل الدولة والمصارف والمصرف المركزي والمالية العامة. لكنه لا يجب أن يتحول إلى رواية تلغي التسلسل الطبيعي للمسؤوليات. وربما السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي خلال السنوات الماضية هو: هل أدى توصيف الأزمة بأنها نظامية إلى توسيع نطاق الحلول المطلوبة، أم أدى أيضاً إلى تمييع المسؤوليات الفردية والمؤسساتية؟