ماذا يعني التصعيد الأخير مالياً واقتصادياً إذا تطور وإستمر لمدة طويلة؟
التصعيد يضغط على أربع قنوات نقدية رئيسية:
- الطلب على الدولار يرتفع فورياً مع زيادة الخوف، ما يعزز الاكتناز والتحوط ويضع الليرة تحت ضغط.
- التدفقات السياحية تنكمش وتتراجع بسرعة، وهي من أهم مصادر العملات الأجنبية في لبنان.
- الاستثمار والتحويلات يتأثران نفسياً ولوجستياً، حتى لو لم يتوقفا بالكامل.
- كلفة التأمين والشحن والمخاطر ترتفع، ما يزيد الطلب على السيولة بالدولار ويضعف أي تداول طبيعي بالليرة.
المشكلة أن لبنان يعيش فعلياً في اقتصاد شديد الدولرة، وبالتالي أي اهتزاز أمني لا يترجم فقط إلى تراجع في النشاط، بل أيضاً إلى تشدد نقدي ذاتي: الناس والتجار يرفعون التسعير بالدولار، يؤخرون المخاطر، ويقلصون التداول بالعملة المحلية
الأزمة الحالية تضغط على الاحتياطيات غير المباشرة أكثر من الضغط الكلاسيكي المباشر:
- لبنان لا يملك نموذج دفاع نقدي تقليدياً قوياً كما في دول ذات نظام صرف مثبت ومدعوم باحتياطيات كبيرة.
- أي تراجع في تدفقات الدولار من السياحة، الاستثمارات، والتحويلات المرتبطة بالثقة يضعف توازن السوق.
- إذا ارتفع الاستيراد الطارئ أو زادت كلفة النقل والتأمين، فسيزداد الطلب على الدولار التجاري.
- أي تعطيل أمني في الضاحية أو الجنوب أو المرافئ أو الطرق الحيوية يخلق طلباً وقائياً على النقد الأجنبي.
هذا يعني أن الخطر ليس فقط في نفاد الاحتياطي، بل في تقلص العرض اليومي للدولار داخل الاقتصاد، وهو ما يكفي لإشعال ضغوط سعرية ونقدية.
من ناحية أخرى، التضخم مرشح للارتفاع مجدداً حتى لو لم يحدث انهيار حاد في الصرف، لثلاثة أسباب:
- الاستيراد: لبنان يستورد جزءا كبيرا من احتياجاته، وأي اضطراب أمني أو لوجستي يرفع الكلفة.
- التأمين والشحن: مع التوتر الإقليمي، ترتفع كلفة النقل والتغطية التأمينية.
- التسعير الوقائي: التجار يميلون إلى رفع الأسعار استباقياً تحسباً لتقلب الدولار أو انقطاع الإمدادات.
لذلك قد نرى موجة تضخم أمنية حتى قبل ظهور انهيار نقدي كامل. وهذا يضغط أكثر على الأجور، خاصة أن جزءا كبيرا من المداخيل لا يزال غير محمي بالكامل من تقلبات الأسعار.
وأخيراً، الوضع المالي للدولة يبقى ضعيفاً ومقيداً:
- تحسن الجباية في الفترة الأخيرة لا يعني أن الدولة استعادت ملاءتها.
- الدين العام ما زال عند مستويات شديدة الارتفاع، بينما الوصول إلى الأسواق الدولية ما زال شبه مغلق.
- الإصلاحات البنيوية، خصوصا في الفجوة المالية، المصارف، وإعادة هيكلة الدين العام، لم تُحسم بعد.
أي تصعيد أمني يعني زيادة الضغط على الإنفاق العام: إغاثة، بنية تحتية، خدمات، أمن، ونزوح داخلي واسع.
قرابة مليون نازح داخل لبنان في وقت قصير تعني عبئاً مالياً واجتماعياً كبيراً جداً على دولة تعاني أصلاً من ضعف الخدمات والموارد.