تخطي إلى المحتوى
تحليل

مؤشر الدولار الأميركي بين التضخم والفيدرالي: هل بدأ الاتجاه الصاعد يفقد زخمه؟

مؤشر الدولار الأميركي  بين التضخم  والفيدرالي: هل بدأ الاتجاه الصاعد يفقد زخمه؟

يتحرك مؤشر الدولار الأميركي قرب مستوى 101.32 نقطة خلال المرحلة الحالية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ بداية العام، حيث تتداخل بيانات التضخم مع توقعات السياسة النقدية بصورة كونت مفارقة واضحة في سلوك الأسواق. فمن الناحية النظرية، كان من المفترض أن يؤدي ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لمراقبة التضخم، إلى تعزيز قوة الدولار الأميركي، إلا أن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ تعرض المؤشر لضغوط بيعية دفعت به للتراجع دون مستوى 101.50. ومن وجهة نظري، فإن هذا التراجع لا يعكس ضعف الاقتصاد الأميركي بقدر ما يعكس تحولًا في طريقة تسعير المستثمرين لاحتمالات السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.

وأرى أن الأسواق لم تعد تتفاعل مع البيانات الاقتصادية بمعزل عن توقعات الفيدرالي، بل أصبحت تركز بشكل أكبر على المسار المستقبلي للفائدة. فعلى الرغم من ارتفاع التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.4% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ تشرين الاول أكتوبر 2023، فإن القراءة الشهرية جاءت أقل قليلًا من توقعات الأسواق، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأن الضغوط التضخمية، رغم استمرارها، لا تزال تحت السيطرة نسبيًا. لذلك لم ينظر المستثمرون إلى البيانات باعتبارها مبررًا كافيًا لتشديد السياسة النقدية، بل رأوا فيها استمرارًا لمسار اقتصادي يسمح للفيدرالي بالتحرك بحذر دون الحاجة إلى رفع سريع لأسعار الفائدة.

وفي تقديري، فإن العامل الأكثر تأثيرًا في تحركات الدولار خلال المرحلة الحالية لا يتمثل في أرقام التضخم وحدها، وإنما في تغير احتمالات رفع أسعار الفائدة. فقد تراجعت توقعات رفع الفائدة خلال اجتماع تموز يوليو إلى أقل من 30% بعد أن كانت تتجاوز 34% في الجلسة السابقة، كما انخفضت احتمالات التشديد في سبتمبر بصورة ملحوظة. وهذه الأرقام تحمل دلالة مهمة للغاية؛ إذ إن الأسواق بدأت تعيد تسعير توقعاتها تجاه الفيدرالي، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الدولار. وعندما تنخفض توقعات التشديد النقدي، فإن العائد المتوقع على الأصول المقومة بالدولار يتراجع، وهو ما يقلل من جاذبية العملة الأمريكية مقارنة بالعملات المنافسة.

ومن وجهة نظري، فإن تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لم تقدم دعمًا كافيًا للدولار رغم نبرتها المتشددة نسبيًا. فقد أكد جون ويليامز أن أسعار الفائدة الحالية مناسبة لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف، بينما أشار أوستن غولسبي إلى وجود بعض التحسن في تضخم الخدمات، لكنه اعترف في الوقت ذاته بأن الضغوط الأساسية لا تزال مرتفعة. وأعتقد أن الأسواق فسرت هذه التصريحات على أنها تعكس تمسك الفيدرالي بسياسة "الانتظار والترقب"، وليس استعدادًا لاتخاذ خطوات جديدة نحو تشديد السياسة النقدية. وهذا الفارق في التفسير كان كافيًا لإبقاء الدولار تحت الضغط.

وبرأيي، فإن مؤشر الدولار يعيش حاليًا صراعًا بين عاملين متناقضين؛ فمن جهة، لا يزال الاقتصاد الأميركي يظهر قدرًا من المرونة مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يدعم العملة الأميركية على المدى المتوسط. ومن جهة أخرى، فإن انخفاض توقعات الفائدة يحد من قدرة الدولار على استعادة زخمه الصاعد. لذلك أعتقد أن الأسواق لن تمنح الدولار موجة صعود قوية ما لم تظهر بيانات اقتصادية جديدة تؤكد استمرار الضغوط التضخمية أو تكشف عن قوة أكبر في سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي.

كما أرى أن المستثمرين يبالغون أحيانًا في تسعير توقعات الفيدرالي قبل صدور البيانات الفعلية. فقد شهدنا خلال الأشهر الماضية تحركات حادة في مؤشر الدولار نتيجة تغير بسيط في احتمالات الفائدة، قبل أن تعود الأسواق إلى تعديل توقعاتها مع كل تقرير اقتصادي جديد. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرارًا في التقلبات بدلاً من تكوين اتجاه واضح، خاصة مع اقتراب اجتماعات الفيدرالي وصدور بيانات التوظيف والتضخم المقبلة.

ومن الناحية الاستثمارية، أعتقد أن المتداولين يجب أن يتعاملوا مع مؤشر الدولار بحذر خلال الفترة الحالية، لأن السوق انتقل من مرحلة الاتجاهات الواضحة إلى مرحلة التداول المعتمد على البيانات. وفي مثل هذه البيئات، تصبح ردود فعل الأسواق أكثر حساسية لأي مفاجآت اقتصادية، سواء كانت إيجابية أو سلبية. ولذلك فإن أي قراءة أعلى من المتوقع للتضخم أو بيانات توظيف قوية قد تعيد إحياء رهانات رفع الفائدة وتمنح الدولار دفعة جديدة، بينما قد يؤدي تباطؤ النشاط الاقتصادي إلى زيادة الضغوط البيعية على العملة الأمريكية.

ولا يمكن تجاهل تأثير الأسواق العالمية في هذه المعادلة. فإذا استمرت البنوك المركزية الكبرى الأخرى في الاقتراب من إنهاء دورات التشديد النقدي، فقد يستفيد الدولار نسبيًا حتى دون رفع إضافي للفائدة الأمريكية، باعتباره ملاذًا آمنًا وعملة الاحتياط الأولى عالميًا. أما إذا تحسنت شهية المخاطرة عالميًا واستمر المستثمرون في التحول نحو الأصول ذات العوائد الأعلى، فقد يواجه الدولار ضغوطًا إضافية، حتى مع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف.

وفي النهاية، أرى أن الاتجاه الصاعد طويل الأجل لمؤشر الدولار لم ينتهِ بعد، لكنه يمر بمرحلة اختبار حقيقية. فالسوق لم يعد يكتفي بمتابعة بيانات التضخم، بل أصبح يبحث عن دليل واضح يحدد الخطوة التالية للفيدرالي. وحتى يتحقق ذلك، أتوقع أن يظل مؤشر الدولار يتحرك في نطاقات متذبذبة، مع ميل طفيف إلى الضعف على المدى القصير نتيجة تراجع توقعات رفع الفائدة. أما على المدى المتوسط، فإن أي تغير في لهجة الاحتياطي الفيدرالي أو ظهور بيانات اقتصادية أقوى من المتوقع قد يعيد الزخم الإيجابي للدولار ويدفعه لاستئناف مساره الصاعد. ومن هنا، أعتقد أن المرحلة الحالية حساسة للدولار وإعادة تقييم وتسعير قد تسبق موجة جديدة من التحركات القوية، في انتظار ما ستكشفه البيانات الاقتصادية المقبلة وقرارات السياسة النقدية الأميركية