شهد مؤشر ناسداك 100 خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أقوى موجات الصعود في تاريخه، مدفوعًا بزخم شركات الذكاء الاصطناعي والتوقعات المتفائلة بشأن النمو المستقبلي، حتى باتت تقييمات العديد من الشركات تتجاوز بكثير معدلاتها التاريخية. وبرأيي، فإن المشكلة لا تكمن في قوة قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الطريقة التي أصبح السوق يسعر بها المستقبل وكأنه مضمون بالكامل. الأسواق المالية لا تعاقب الشركات الناجحة، لكنها تعاقب المبالغة في التوقعات، وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن أي موجة صعود شهدها ناسداك خلال السنوات الماضية.
لذا أرى أن قصة إدراج شركة سبيس إكس تمثل نموذجًا واضحًا للفجوة التي بدأت تتسع بين سوق الأسهم وسوق السندات. فبينما منح المستثمرون الشركة تقييمًا ضخمًا يعكس ثقة شبه مطلقة في مستقبلها، جاءت سوق السندات برسالة أكثر تحفظًا عندما طلب المستثمرون عوائد مرتفعة مقابل تمويل الشركة على المدى الطويل. هذه المفارقة ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما تعكس اختلافًا جوهريًا في تقييم المخاطر. فمستثمرو الأسهم يشترون الأحلام والنمو المتوقع، بينما يبحث مستثمرو السندات عن التدفقات النقدية والقدرة على الوفاء بالالتزامات. وعندما يبدأ الفارق بين السوقين بالاتساع، فإنني أعتبر ذلك إشارة تستحق المتابعة بعناية، لأنها غالبًا ما تسبق مراحل إعادة التسعير.
ومن وجهة نظري، فإن قرار سبيس إكس باللجوء إلى سوق الدين رغم امتلاكها سيولة نقدية ضخمة يحمل دلالة اقتصادية مهمة. الإدارة لا تقترض لأنها بحاجة إلى السيولة الفورية فقط، بل لأنها تتوقع استثمارات رأسمالية هائلة خلال السنوات المقبلة. وهذا يعني أن دورة الإنفاق في مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الفضائية ستكون أطول وأكثر تكلفة مما يتوقعه المستثمرون. لذلك فإن تقييم الشركات على أساس الإيرادات المستقبلية فقط، دون الأخذ في الاعتبار تكلفة التمويل واستمرار التدفقات النقدية السلبية، قد يقود إلى مبالغة واضحة في أسعار الأسهم.
ولا يمكن تجاهل أن قطاع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأ يواجه أول اختبار حقيقي بعد موجة الصعود الاستثنائية. فقد شهدنا عمليات بيع ملحوظة في شركات الرقائق الإلكترونية، والذاكرة، والخوادم، ومراكز البيانات، وهي الشركات التي كانت تمثل المحرك الرئيسي لمؤشر ناسداك 100. وبرأيي، فإن هذا التراجع لا يعني نهاية قصة الذكاء الاصطناعي، بل يعكس انتقال المستثمرين من مرحلة شراء أي شركة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أكثر انتقائية تعتمد على جودة الأرباح والعائد على الاستثمار. وهذه المرحلة طبيعية وصحية للأسواق، لكنها غالبًا ما تكون أكثر تقلبًا وأقل تسامحًا مع التقييمات المبالغ فيها.
وأعتقد أيضًا أن المستثمرين يركزون بصورة مبالغ فيها على التدفقات الاستثمارية القادمة من صناديق المؤشرات، خصوصًا بعد انضمام شركات جديدة مثل سبيس إكس إلى ناسداك 100. فصحيح أن هذه التدفقات توفر دعمًا مؤقتًا للأسعار، لكنها ليست قوة دائمة يمكن الاعتماد عليها لبناء اتجاه صاعد طويل الأجل. فالطلب الإجباري من الصناديق السلبية يحدث مرة واحدة، بينما تستمر السوق بعد ذلك في تقييم الشركات وفق نتائجها المالية وقدرتها على تحقيق الأرباح. لذلك أرى أن تأثير الإدراج في المؤشر قد يكون أقل بكثير مما يعتقده العديد من المستثمرين، خاصة بعد تعديل قواعد احتساب الأوزان داخل المؤشر.
في المقابل، لا أعتقد أن الحديث عن انهيار وشيك لناسداك 100 يعكس الصورة الحقيقية. الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بدرجة عالية من المرونة، كما أن توقعات خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة قد توفر دعمًا إضافيًا لأسهم النمو. إلا أنني أرى أن المرحلة القادمة ستكون مختلفة عن الأشهر الماضية، حيث لن يكون الصعود جماعيًا كما اعتدنا، وإنما سيكون انتقائيًا، وستتجه السيولة نحو الشركات القادرة على تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى أرباح فعلية، وليس مجرد وعود مستقبلية.
هناك عامل آخر أراه بالغ الأهمية يتمثل في سوق العمل الأمريكي والسياسة النقدية. فإذا استمرت بيانات التوظيف في إظهار علامات التباطؤ بالتزامن مع استقرار معدلات التضخم، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيجد مساحة أكبر لتخفيف السياسة النقدية، وهو ما سيكون داعمًا لأسهم التكنولوجيا على المدى المتوسط. لكن في الوقت نفسه، فإن أي مفاجآت تضخمية جديدة أو عودة قوية لسوق العمل قد تؤجل خفض الفائدة، وهو ما قد يعيد الضغوط سريعًا على ناسداك، خصوصًا في ظل ارتفاع مضاعفات الربحية الحالية.
وأعتقد أن مؤشر ناسداك 100 دخل مرحلة اختبار حقيقية لمستوياته القياسية. فالصعود المستمر دون فترات تصحيح صحية يزيد من هشاشة الاتجاه، ويجعل أي خبر سلبي قادرًا على دفع المستثمرين إلى جني الأرباح بصورة سريعة. لذلك لا أستبعد رؤية موجات تصحيح قصيرة خلال الأسابيع المقبلة، لكنها في رأيي لن تتحول إلى اتجاه هابط طويل ما لم تتغير الأساسيات الاقتصادية أو تتدهور أرباح الشركات الكبرى بصورة واضحة.
كما أرى أن المستثمر الذكي يجب أن يراقب سوق السندات بنفس القدر الذي يراقب فيه سوق الأسهم. فغالبًا ما تكون السندات أكثر هدوءًا في قراءتها للمخاطر، بينما تميل الأسهم إلى المبالغة في التفاؤل أو التشاؤم. وعندما تبدأ عوائد السندات في الارتفاع رغم الحماس الكبير في أسواق الأسهم، فإن الرسالة تكون واضحة: تكلفة رأس المال ترتفع، والمستثمرون يطالبون بعائد أكبر مقابل تحمل المخاطر. وهذه الإشارة لا ينبغي تجاهلها، خاصة في الشركات التي تعتمد بشكل كبير على التمويل المستقبلي.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة لن تكون معركة بين الصعود والهبوط، بل ستكون معركة بين التقييمات والواقع المالي. وسيظل الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي لعقد كامل على الأقل، لكن ذلك لا يعني أن جميع الشركات المرتبطة به تستحق الأسعار التي تتداول عندها اليوم. لذلك أتوقع أن يشهد ناسداك 100 استمرار الاتجاه الإيجابي على المدى المتوسط، لكن بوتيرة أبطأ، مع زيادة واضحة في التقلبات، واتساع الفجوة بين الشركات الرابحة والشركات التي لا تزال تعتمد على الوعود المستقبلية. وفي النهاية، أرى أن الرسالة الأهم التي يوجهها السوق اليوم هي أن عصر شراء أي سهم يحمل شعار "الذكاء الاصطناعي" قد اقترب من نهايته، ليبدأ عصر أكثر نضجًا يعتمد على الأرباح، والتدفقات النقدية، والانضباط في التقييمات، وهي المرحلة التي ستحدد الفائزين الحقيقيين داخل ناسداك 100 خلال السنوات المقبلة.