تخطي إلى المحتوى
تحليل

الفضة عند مفترق طرق هل يكسر البائعون مستوى 60 دولاراً

 الفضة عند مفترق طرق هل يكسر البائعون مستوى 60 دولاراً

بعد موجة صعود قوية دفعت الفضة إلى تسجيل مكاسب تجاوزت 5% خلال أيام قليلة لتتداول قرب 63.38 دولار، بدأت الأسواق تلتقط أنفاسها مع أول إشارة واضحة على تراجع الزخم الشرائي. وفي تقديري، فإن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تغيرًا جذريًا في الاتجاه، بل يمثل مرحلة اختبار حقيقية لقوة المشترين أمام عودة البائعين إلى السوق. فالهبوط الأخير بأكثر من 1%، رغم تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وضعف الدولار نسبيًا، يكشف أن الفضة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث أصبحت العوامل الفنية أكثر تأثيرًا من المحفزات الأساسية في المدى القصير.

ومن وجهة نظري، فإن ما يلفت الانتباه ليس مجرد توقف الارتفاع الذي استمر أربعة أيام، وإنما توقيته. فالأسواق كانت تتوقع أن تستفيد الفضة بشكل أكبر من تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية بعد بيانات الوظائف الأضعف من المتوقع، إلا أن الأسعار فشلت في الحفاظ على مستوياتها المرتفعة، وهو ما يعكس وجود عمليات جني أرباح مكثفة عند المستويات الحالية، إضافة إلى استمرار حالة الحذر بين المستثمرين الذين يفضلون انتظار إشارات أوضح قبل بناء مراكز شرائية جديدة.

ورغم أن البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة خففت من توقعات تشديد السياسة النقدية، فإن الدولار الأمريكي لا يزال يحتفظ بقدر من القوة، وهو ما حدّ من قدرة الفضة على استكمال موجة الصعود. وأعتقد أن الأسواق لا تنظر فقط إلى قرار الفيدرالي القادم، بل بدأت تركز بصورة أكبر على توقيت أول خفض محتمل للفائدة وحجم هذا الخفض. لذلك فإن أي بيانات تضخم أو تصريحات من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المقبلة ستكون قادرة على إعادة رسم توقعات المستثمرين، وبالتالي إعادة تسعير المعادن الثمينة بالكامل.

كما أرى أن الصورة أصبحت أكثر حساسية مما كانت عليه قبل أيام قليلة. فالسعر لا يزال يتداول دون المتوسطات المتحركة الرئيسية، وهو ما يعني أن الاتجاه العام لم يعود للصعود حتى الآن، رغم الارتداد الأخير. كما أن استقرار مؤشر القوة النسبية (RSI) دون مستوى 50 يمثل رسالة واضحة بأن الزخم البيعي لم يختفِ، بل ربما يستعيد قوته تدريجيًا إذا فقد المشترون القدرة على الدفاع عن مستويات الدعم الحالية. وفي التحليل الفني، غالبًا ما تكون مثل هذه الإشارات أكثر أهمية من التحركات السعرية اليومية، لأنها تعكس تغيرًا في سلوك المتداولين وليس مجرد تقلبات مؤقتة.

وفي رأيي، يبقى مستوى 60 دولارًا للأونصة هو النقطة المفصلية التي ستحدد الاتجاه المقبل للفضة. فهذا المستوى ليس مجرد رقم نفسي مهم، بل يمثل أيضًا منطقة توازن بين المشترين والبائعين. وإذا نجحت الأسعار في الثبات فوقه، فقد نشهد محاولات جديدة لاستعادة الزخم الصاعد، أما في حال كسره بإغلاق واضح، فإن الضغوط البيعية قد تتسارع بصورة كبيرة، مع استهداف مستويات دعم أعمق قد تمتد إلى حدود 56.60 دولارًا ثم 55.60 دولارًا، وهي مناطق أعتقد أنها ستكون محط اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص شراء طويلة الأجل.

لكن في المقابل، لا أميل إلى تبني سيناريو هبوطي مطلق، لأن الأساسيات لا تزال تقدم دعمًا مهمًا للفضة على المدى المتوسط. فالتوقعات المتزايدة بخفض أسعار الفائدة الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، واستمرار الضبابية الاقتصادية العالمية، إلى جانب الطلب الصناعي المرتبط بقطاع الطاقة النظيفة والتقنيات الحديثة، كلها عوامل تمنح المعدن الأبيض قاعدة دعم قوية. ولذلك أرى أن أي هبوط حاد خلال المرحلة الحالية قد يمثل فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية، وليس بداية لاتجاه هابط طويل الأمد.

ومن الجوانب التي أعتقد أن الأسواق لا تمنحها الاهتمام الكافي، العلاقة الوثيقة بين الفضة والاقتصاد الصناعي العالمي. فالفضة ليست مجرد معدن ثمين يستخدم كملاذ آمن، بل تدخل في صناعات استراتيجية مثل الألواح الشمسية، والرقائق الإلكترونية، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن أي تحسن في النشاط الاقتصادي العالمي أو زيادة الإنفاق على مشاريع التحول الأخضر قد ينعكس بصورة مباشرة على الطلب الفعلي للفضة، وهو عامل قد يصبح أكثر تأثيرًا من تحركات الدولار أو أسعار الفائدة في المستقبل.

كما أرى أن المستثمرين يجب ألا ينخدعوا بالتحركات اليومية الحادة، لأن الفضة تُعرف تاريخيًا بأنها أكثر تقلبًا من الذهب. ففي كثير من الأحيان تتحرك بنسبة تفوق الذهب مرتين أو ثلاث مرات، سواء في الصعود أو الهبوط، وهو ما يجعل إدارة المخاطر عنصرًا أساسيًا عند التداول عليها. لذلك فإن الدخول في مراكز كبيرة قبل تأكيد الاتجاه قد يكون قرارًا عالي المخاطرة، خاصة مع ترقب الأسواق لبيانات اقتصادية أمريكية مهمة قد تغير توقعات السياسة النقدية خلال ساعات قليلة.

وفي تقديري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأيام المقبلة يتمثل في استمرار التحرك داخل نطاق واسع يتخلله تذبذب مرتفع، إلى حين ظهور محفز اقتصادي قوي يحسم الاتجاه. وإذا تمكنت الأسعار من العودة أعلى منطقة 63 دولارًا مع زيادة واضحة في أحجام التداول، فقد نشهد استهداف القمم الأخيرة من جديد، أما إذا استمر الفشل في اختراق هذه المنطقة، فإن احتمالات العودة لاختبار مستوى 60 دولارًا ستظل مرتفعة، وربما تصبح السيناريو الأقرب على المدى القصير.

وفي النهاية، أعتقد أن الفضة تقف حاليًا عند واحدة من أهم مراحلها منذ أسابيع. فالسوق يعيش صراعًا واضحًا بين دعم الأساسيات الاقتصادية التي تميل تدريجيًا إلى صالح المعادن الثمينة، وبين إشارات فنية لا تزال تمنح الأفضلية للبائعين. ومن وجهة نظري، فإن الحسم لن يكون عبر الأخبار وحدها، بل من خلال قدرة السعر على الدفاع عن مستوياته الفنية المحورية. وحتى يحدث ذلك، سأبقي نظرتي محايدة تميل إلى الحذر على المدى القصير، وإيجابية بحذر على المدى المتوسط، مع اعتبار مستوى 60 دولارًا الخط الفاصل الذي سيحدد ما إذا كانت الفضة تستعد لاستئناف اتجاهها الصاعد، أم أنها بصدد الدخول في موجة تصحيح أعمق قبل استعادة زخمها من جديد.