تدخل الأسواق العالمية مرحلة جديدة من الترقب والحذر، حيث لم تعد حركة العملات الرئيسية رهينة البيانات الاقتصادية وحدها، بل أصبحت تتأثر بشكل متزايد بالتطورات الجيوسياسية وتغيرات توقعات السياسة النقدية. ومن وجهة نظري، فإن زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) يقف حالياً عند نقطة مفصلية، بعدما تعرض الإسترليني لضغوط بيعية دفعت به نحو مستوى 1.3340، في وقت يستعيد فيه الدولار الأمريكي جزءاً من قوته بدعم من ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة. ورغم أن الأسواق كانت تترقب محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي بحثاً عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن مستقبل أسعار الفائدة، فإن الرسالة التي حملها المحضر كانت كافية لتعزيز حالة الحذر دون أن تمنح المستثمرين يقيناً كاملاً حول موعد أول خفض للفائدة.
ومن خلال قراءتي لمحضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، أرى أن أهم ما كشفه هو استمرار الإجماع داخل البنك المركزي على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية في الوقت الراهن، مع اعتراف الأعضاء بأن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بدرجة جيدة من الصمود رغم تباطؤ بعض المؤشرات. إلا أن اللافت للنظر هو الانقسام الواضح بشأن الخطوة التالية، حيث يرى بعض المسؤولين أن التضخم لا يزال أعلى من المستهدف ويستلزم الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، بينما يرى آخرون أن تباطؤ النشاط الاقتصادي وسوق العمل قد يبرران البدء بخفض تدريجي للفائدة خلال الأشهر المقبلة. وبرأيي، فإن هذا الانقسام لا يمثل عامل ضعف للفيدرالي بقدر ما يعكس حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي في المرحلة الحالية.
وفي المقابل، لم يكن العامل النقدي وحده المحرك للدولار، بل جاءت التطورات الجيوسياسية لتمنحه دعماً إضافياً. فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران، إلى جانب استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، أعادت المخاوف إلى الأسواق بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية. ومن وجهة نظري، فإن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط لن ينعكس فقط على أسعار النفط، بل سيزيد أيضاً من الطلب على الدولار باعتباره الملاذ الأكثر سيولة في أوقات الأزمات، وهو ما يفسر ارتفاع مؤشر الدولار رغم استمرار الجدل حول مستقبل الفائدة الأمريكية.
أما بالنسبة للجنيه الإسترليني، فأعتقد أنه يواجه حالياً ضغوطاً مزدوجة؛ فمن جهة، يستفيد الدولار من تدفقات الملاذ الآمن، ومن جهة أخرى لا يمتلك الإسترليني محفزات محلية قوية تمكنه من مواجهة هذه القوة. الاقتصاد البريطاني لا يزال يعاني تباطؤاً في النمو، كما أن توقعات السياسة النقدية لبنك إنجلترا أصبحت أكثر تعقيداً مع استمرار التضخم في التراجع تدريجياً، الأمر الذي يقلل من فرص استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة طويلة. لذلك أرى أن أي ارتفاعات للإسترليني في الوقت الحالي قد تكون محدودة ما لم تظهر بيانات اقتصادية بريطانية تفوق التوقعات بشكل واضح.
و أرى أن حركة الزوج تعكس تغيراً تدريجياً في شهية المستثمرين تجاه الدولار. فإذا استمرت التدفقات نحو الأصول الآمنة، فمن المرجح أن يبقى الضغط قائماً على الإسترليني، خصوصاً إذا فشل في استعادة مستويات المقاومة القريبة. وفي تقديري، فإن استمرار التداول دون المستويات الفنية المهمة سيزيد من احتمالات امتداد التصحيح الهابط، بينما يحتاج المشترون إلى محفز اقتصادي قوي أو تراجع واضح في الدولار لإعادة بناء الزخم الصاعد. لذلك فإن متابعة مستويات الدعم الحالية ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه خلال الجلسات المقبلة.
وأعتقد أن الأسواق قد تبالغ أحياناً في تفسير محاضر البنوك المركزية، بينما يكون التأثير الحقيقي مرتبطاً بالبيانات اللاحقة. فمحضر الفيدرالي لم يحمل مفاجآت جوهرية بقدر ما أكد أن البنك المركزي لا يزال يعتمد على البيانات قبل اتخاذ أي قرار جديد. ولهذا السبب، ستتحول أنظار المستثمرين سريعاً إلى مؤشرات التضخم وسوق العمل الأمريكية، لأنها ستكون العامل الحاسم في تحديد توقيت أي خفض للفائدة. وإذا استمرت هذه البيانات في إظهار متانة الاقتصاد الأمريكي، فمن المرجح أن تتراجع رهانات خفض الفائدة، وهو ما سيمنح الدولار مزيداً من الدعم أمام معظم العملات الرئيسية، وفي مقدمتها الجنيه الإسترليني.
وفي رأيي، فإن أكبر خطأ قد يقع فيه المستثمر حالياً هو التركيز على عامل واحد وإهمال بقية المتغيرات. فالتوترات الجيوسياسية، وسياسة الفيدرالي، وبيانات الاقتصاد الأمريكي، وتوقعات بنك إنجلترا، جميعها أصبحت تتحرك في وقت واحد، وهو ما يزيد من حساسية الأسواق لأي خبر جديد. لذلك أتوقع أن تبقى تقلبات زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار مرتفعة خلال الفترة المقبلة، مع ميل واضح لصالح الدولار طالما استمرت حالة النفور من المخاطرة ولم تظهر إشارات قوية على اقتراب الفيدرالي من دورة تيسير نقدي سريعة.
وفي النهاية، أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب يتمثل في استمرار الدولار بالحفاظ على جزء كبير من مكاسبه، مستفيداً من مزيج يجمع بين التوترات الجيوسياسية، واستمرار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، والانقسام داخل الفيدرالي الذي يؤجل توقعات خفض سريع للفائدة. وفي المقابل، سيظل الجنيه الإسترليني بحاجة إلى عوامل دعم داخلية قوية حتى يتمكن من تغيير هذا الاتجاه. وحتى يحدث ذلك، أعتقد أن أي تعافٍ للزوج سيكون عرضة لجني الأرباح، بينما ستبقى الكفة تميل تدريجياً لصالح الدولار الأمريكي، ما لم تتغير المعطيات الاقتصادية أو السياسية بصورة جوهرية خلال الأسابيع المقبلة.