تستكمل أسعار النفط الخام ارتفاعها اليوم، حيث ترتفع العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بقرابة 3 في المئة لتتداول عند أعلى مستوى لها، فيما ترتفع العقود الآجلة لخام برنت أيضاً، ليتداول الخامان عند مستويي 80 و85 دولاراً للبرميل على التوالي.
عودة الارتفاعات الحادة لأسعار النفط تأتي تفاعلاً التصعيد الجنوني الذي شهده الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، والذي أثبت أن الحديث المبكر عن قرب انتهاء الحرب غير واقعي ولم يكن هناك سوى هدنة قصيرة الأمد. هذا التصعيد يزيد من الاضطراب في إمدادات الطاقة العالمية، مع شبه توقف لحركة الملاحة في مضيق هرمز، علاوة على أنه يرفع من مخاطر تفاقم التصعيد ليشمل استهداف البنية التحتية لإنتاج وتكرير النفط في الإقليم، بما قد يجعل الضرر هيكلياً وليس عابراً.
كان المشهد أمس هستيرياً ومليئاً بالتفاصيل، إذ شاهدنا استهدافاً واسعاً للبر والجزر الإيرانية، واستهدافاً للقواعد الأميركية في عدة نقاط في الإقليم، علاوة على استهداف السفن وناقلات النفط. وهذه الأحداث لا تزال تتكرر حتى وقت كتابة هذا التقرير. ولتزداد الأمور سوءاً، شاهدنا عودة غير متوقعة ومفاجئة للتصعيد بين المملكة العربية السعودية والحوثيين في اليمن، تمثلت باعتراض السلاح الجوي السعودي لطائرة ركاب إيرانية كانت تحاول الهبوط في مطار صنعاء، قبل أن تقصف الطائرات مدرج المطار وتجبر الطائرة الإيرانية على الهبوط في مطار الحديدة، وهذا ما تلاه استهداف الحوثيين لمطار أبها في جنوب المملكة.
في ظل هذه السلسلة العاصفة من الأحداث، يجب أن نعيد ترتيب الفرضيات بهدوء. أعتقد أننا الآن في جولة من التفاوض تحت النار، وذلك بعد فشل ما جرى على الطاولة عقب توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة. كانت العرقلة الكبرى تتمثل في غياب التفاهم حول تطبيق المادة الخامسة من مذكرة التفاهم الموقعة، والتي تُعنى بإدارة مضيق هرمز. فيما يبدو أن الاختلاف في تفسير تلك المادة الخامسة ناتج عن إعداد وتوقيع تلك المذكرة على عجل، نظراً لما يبدو من هرولة من دونالد ترامب للتنصل من هذه الحرب وانتزاع أي تنازل من إيران. في حين فهمت إيران تلك المادة على أنها اعتراف بهيمنتها على المضيق، وبالتالي قامت بمهاجمة سفن تجارية كانت تحاول العبور عبر المياه الإقليمية، وهذا ما أطلق شرارة التصعيد الحالي اليوم.
عليه، فمن غير المستبعد، في خضم موجة التصعيد الهائلة اليوم، أن نشهد إعلاناً مفاجئاً بالعودة إلى وقف إطلاق النار، لكن هذه المرة عبر تفاهم متبادل أوسع، مدعم بكلمات أكثر وضوحاً فيما يخص إدارة المضيق، بما لا يترك المجال للتأويل والتفسير من كل طرف وفق ما يهوى. أعتقد أن دونالد ترامب يريد إنهاء الحرب بأي وسيلة، خصوصاً قبل انتخابات التجديد النصفي، عبر استخدام الضغط العسكري في محاولة لانتزاع تنازلات لم يستطع الحصول عليها لا عبر المفاوضات ولا عبر الحملات العسكرية السابقة. أما فيما يتعلق بتصريحاته حول فرض رسوم بمقدار 20 في المئة على حمولة السفن العابرة للمضيق، فلا يمكن أخذها على محمل الجدية لأنها غير واقعية على الإطلاق، كما أن إطباق الحصار العسكري على المضيق سيكون غير مستدام أيضاً، نظراً للتكلفة المرتفعة والخسائر المحتملة التي ينطوي عليها. إن كانت هذه الفرضية هي الصحيحة، فقد نشهد عودة لانخفاض أسعار النفط بعد الارتفاعات التي شهدناها خلال الجلستين الأخيرتين، ومن غير المستبعد أيضاً أن نشهد انخفاضاً برقم من خانتين.
أما فيما يخص الحوثيين، فمن المبكر الحديث عن دخولهم إلى هذه الحرب الإقليمية الشاملة، وأعتقد أن التصعيد الأخير قد يتجه نحو الاحتواء، وقد يعودون إلى حالة السلام غير الرسمي، إذ لا أعتقد أن هذه الحرب تصب في مصلحة أي من الطرفين الآن.
في المقابل، فإن السيناريو السيئ، وليس الأسوأ، يتمثل بعدم قدرة ترامب على انتزاع تنازل من الإيرانيين، لا عبر المفاوضات، وهذا ما سينطوي على استمرار المناوشات الحالية لفترة مطولة، وتثبيت حالة اللاسلم واللاحرب الإقليمية الشاملة. إلا أن هذا سيبقي حركة الملاحة شبه معدومة في المضيق، وهو ما قد يُبقي أسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة نسبياً.
أما السيناريو الأسوأ، فسيتمثل بخروج الوضع عن السيطرة المتبادلة، ليشمل استهدافاً واسع النطاق لمنشآت الطاقة الإيرانية، وهذا ما قد يقابله استهداف واسع لمنشآت الطاقة الإيرانية، في مسعى لحث الدول على الضغط على الإدارة الأميركية لوقف التصعيد. أما إذا زج الحوثيون بكامل قوتهم في هذه الحرب الشاملة، فإن ذلك سيطول أيضاً إلى إغلاق مضيق باب المندب الحيوي، وسيزيد من مخاطر استهدافهم لمنشآت الطاقة، خصوصاً في المملكة العربية السعودية، في تكرار لما حدث في حربهم السابقة، والتي بلغت ذروتها في الهجوم الذي وقع في سبتمبر من عام 2019، وأدى إلى أكبر انقطاع في إمدادات النفط في التاريخ، مع خروج أكثر من 5.7 مليون برميل يومياً من الإنتاج السعودي، وهو ما يمثل قرابة نصف الإنتاج حينها. لكنني أعتقد أن تكرار هذا السيناريو لا يزال غير مرجح، على الأقل وفق التطورات الحالية، لكنني لا أستبعده بشكل كامل.