تخطي إلى المحتوى
تحليل

اليورو- الدولار عند 1.1435 بعد مفاجاة التضخم هل يغير الفيدرالي قواعد اللعبة

اليورو- الدولار عند 1.1435 بعد مفاجاة التضخم هل يغير الفيدرالي قواعد اللعبة

أعاد صدور بيانات التضخم الأميركية بأقل من توقعات الأسواق إحياء التوقعات بأن الفيدرالي قد يقترب من تبني سياسة نقدية أقل تشددًا خلال الفترة المقبلة، وهو ما انعكس سريعًا على تحركات الدولار الأمريكي الذي فقد جزءًا من مكاسبه، ليدفع زوج اليورو/الدولار نحو مستوى 1.1435. ورغم أن رد فعل الأسواق بدا منطقيًا للوهلة الأولى، فإنني أرى أن هذا الارتفاع لا يمثل بالضرورة بداية موجة صعود جديدة ومستدامة، بل قد يكون مجرد حركة تصحيحية داخل اتجاه أوسع لا يزال يميل لمصلحة الدولار الأمريكي على المدى المتوسط، خاصة أن الأسواق لا تزال توازن بين تباطؤ التضخم واستمرار الاقتصاد الأمريكي في إظهار قدر كبير من المرونة.

ومن وجهة نظري، فإن القراءة الأقل من المتوقع لمؤشر أسعار المستهلك لا ينبغي تفسيرها باعتبارها إشارة حاسمة على انتهاء معركة التضخم في الولايات المتحدة. فالفيدرالي لا ينظر إلى قراءة شهرية واحدة عند اتخاذ قراراته، وإنما يراقب مسارًا متكاملاً يشمل سوق العمل، وإنفاق المستهلكين، ونمو الأجور، والتضخم الأساسي، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية التي قد تعيد الضغوط التضخمية في أي وقت. لذلك، فإن أي تراجع في الدولار بسبب هذه البيانات قد يكون محدودًا إذا جاءت تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي لتؤكد استمرار الحذر وعدم التسرع في تغيير مسار السياسة النقدية.

وفي هذا السياق، أعتقد أن شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أمام الكونجرس تمثل الحدث الأكثر أهمية بالنسبة للأسواق، وربما تتجاوز في تأثيرها بيانات التضخم نفسها. فالأسواق لا تبحث فقط عن تقييم الفيدرالي للوضع الاقتصادي الحالي، بل تريد معرفة مدى استعداد صناع القرار لبدء دورة جديدة من خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء على السياسة الحالية لفترة أطول. وإذا جاءت تصريحات وارش متشددة وأكدت أن التضخم لا يزال أعلى من المستوى المستهدف وأن البنك المركزي يحتاج إلى المزيد من الأدلة قبل تخفيف السياسة النقدية، فمن المرجح أن يستعيد الدولار قوته سريعًا، وهو ما قد يضع ضغوطًا جديدة على اليورو.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن اليورو نفسه يواجه تحديات داخلية تحد من قدرته على تحقيق مكاسب مستدامة أمام الدولار. فالاقتصاد الأوروبي لا يزال يعاني من تباطؤ النمو، كما أن النشاط الصناعي في عدد من الاقتصادات الرئيسية داخل منطقة اليورو لم يستعد زخمه بالكامل، في وقت يواصل فيه البنك المركزي الأوروبي اتباع نهج أكثر حذرًا مقارنة بالفيدرالي. ومن وجهة نظري، فإن أي صعود لليورو يعتمد بشكل أكبر على ضعف الدولار وليس على قوة حقيقية في الاقتصاد الأوروبي، وهو ما يجعل هذا الصعود عرضة للتراجع بمجرد تغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية.

كما أن التطورات الجيوسياسية تضيف بعدًا آخر إلى المشهد. فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز، إلى جانب التوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة، دفعت أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى الارتفاع خلال الفترة الأخيرة. وإذا استمرت أسعار الطاقة في الصعود، فقد يؤدي ذلك إلى عودة الضغوط التضخمية عالميًا، وهو ما يمنح الفيدرالي مبررًا إضافيًا للإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول. وفي رأيي، فإن الأسواق ربما تقلل من أهمية هذا العامل في الوقت الحالي، لكنه قد يتحول إلى عنصر مؤثر في تسعير الدولار خلال الأسابيع المقبلة.

وأرى أن التداولات الحالية بالقرب من مستوى 1.1435 لا تعني انتهاء الاتجاه الهابط الذي بدأ منذ الأسابيع الماضية. فالزوج لا يزال يتحرك داخل نطاق مقاومات قوية، وأي فشل في تحقيق اختراق مستدام أعلى هذه المستويات قد يعيد الضغوط البيعية تدريجيًا. لذلك، فإنني أنظر إلى الارتفاع الحالي باعتباره فرصة لإعادة تقييم مراكز البيع أكثر من كونه بداية لاتجاه صاعد طويل الأجل، خاصة إذا استعاد الدولار زخمه بعد تصريحات الفيدرالي أو مع صدور بيانات اقتصادية أمريكية قوية خلال الفترة المقبلة.

ولا يعني ذلك أن الطريق سيكون هابطًا بشكل مباشر، إذ من الطبيعي أن تشهد الأسواق تقلبات حادة مع تغير توقعات المستثمرين بشكل مستمر. لكنني أعتقد أن الاتجاه العام لا يزال يميل إلى استمرار قوة الدولار مقارنة باليورو، طالما بقي الاقتصاد الأمريكي أكثر قدرة على تحمل مستويات الفائدة المرتفعة، وطالما ظل الفيدرالي متمسكًا بنهجه القائم على الاعتماد الكامل على البيانات قبل اتخاذ أي قرار بشأن خفض الفائدة.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن توقعاتي الشخصية تشير إلى أن زوج اليورو/الدولار قد يواجه صعوبة في الحفاظ على مكاسبه الحالية إذا لم يحصل على محفزات جديدة تدعم استمرار ضعف الدولار. أما إذا جاءت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي أكثر تشددًا من توقعات الأسواق، فقد نشهد عودة الضغوط البيعية تدريجيًا مع استهداف مستويات أقل خلال الفترة المقبلة. ولذلك، ما زلت أرى أن سيناريو الهبوط باتجاه 1.1200 يبقى قائمًا ومرجحًا على المدى المتوسط، حتى وإن سبقه بعض الارتفاعات التصحيحية قصيرة الأجل. وفي تقديري، فإن المرحلة الحالية تتطلب من المستثمرين والمتداولين عدم الانجراف وراء ردود الفعل الأولية للبيانات الاقتصادية، بل التركيز على الصورة الكلية التي لا تزال تشير إلى أن الدولار يحتفظ بعوامل دعم أساسية قد تمكنه من استعادة قوته أمام اليورو خلال الفترة القادمة.