تواصل أسعار النفط انخفاضها لليوم الثالث على التوالي، حيث تنخفض العقود الآجلة لخامي برنت وغرب تكساس الوسيط بأكثر من 2%.
استمرار انخفاض أسعار النفط يأتي وسط جو من الامتناع المؤقت عن التصعيد في الشرق الأوسط، وهو ما جاء تالياً لموجة تصعيدية امتدت لقرابة أسبوعين. إذ نشهد الآن هدنة غير رسمية بين الولايات المتحدة وإيران، ومن طرف واحد.
كنا قد تحدثنا يوم الجمعة، فإن ارتفاع أسعار النفط والجازولين وعوائد السندات قد يشجع الرئيس دونالد ترامب على الاتجاه إلى وقف التصعيد، لإجبار أسعار الطاقة على الانخفاض مؤقتاً وكسب مزيد من الوقت. لا نعلم ما الدافع الفعلي، إلا أن ترامب كان بالفعل، خلال ساعات، قد اتخذ قرار وقف التصعيد، وعليه تشهد الأسعار انخفاضاً، على الأقل في السوق الآجلة. كما يمكن للتحذيرات والتوصيات التي صدرت عن كبار قادة الجيش الأميركي، مثل رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين أو قائد المنطقة الوسطى براد كوبر، فيما يتعلق باستنزاف الذخائر ومدى فعالية الحملة العسكرية ضد إيران، أن تدفع ترامب لخفض التصعيد أيضاً.
في كل الأحوال، لا تزال عوامل التصعيد قائمة. إذ لم يعلن أي من الطرفين العودة الرسمية إلى المفاوضات، ولا يوجد ما يؤشر إلى تقديم أي من الأطراف تنازلات بما يتعلق بإدارة مضيق هرمز، ناهيك عن القضايا الأخرى العالقة، سواء الأصول الإيرانية المجمدة أو حتى البرنامج النووي الإيراني. من دون التوصل إلى اتفاق راسخ حول هذه القضايا، فإن التصعيد قد يعود عاجلاً أم آجلاً.
كما نرى، لم يعد التصعيد مقتصراً على مضيق هرمز، إذ ينطوي الامتداد الزمني للحرب على توسيع استهداف منشآت استخراج وتصدير النفط من الإقليم، وبإمكانه أن يقطع الطرق التي كانت بديلة إلى حد ما عن مضيق هرمز. هذا ما نراه بالفعل الآن، حيث تعرضت منشأة بقيق لمعالجة النفط السعودية، المسؤولة عن معالجة 7 مليون برميل من النفط يومياً، لهجوم أمس ألحق بها ضرراً طفيفاً، وفق ما نقلته رويترز عن مسؤول. في حين أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن هجوم طال خط شرق-غرب الذي يوصل النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر تمهيداً لتصديره.
تأتي هذه الهجمات في الوقت الذي يبدو فيه التصعيد معتدلاً ومحدوداً ومتدرجاً وقابلاً للانحسار بين الحين والآخر. إلا أن إطالة أمد هذه الحرب ستنطوي على تعميق الضرر اللاحق بالمنشآت الحيوية للنفط، سواء في دول الخليج أو إيران، وهذا ما لا يمكن عكسه من خلال المفاوضات، وقد يتطلب أشهراً أو حتى سنوات لإصلاحه، بما يُبقي أسعار الخام مرتفعة نسبياً على نحو مطول. السيناريوهات المتطرفة والمستبعدة قد تصبح حقيقة كلما امتد الأفق الزمني للحرب. كما لا أعتقد في الوقت الراهن بفعالية الحملات العسكرية فيما يتعلق بإمكانية فتحها مضيق هرمز، كما أن محاولات الولايات المتحدة الانغماس عسكرياً على نحو أوسع، بما قد يصل إلى حد العمل البري على الجزر الإيرانية، قد تنطوي على مخاطر تنشيط أوسع لتحركات الحوثيين بفعل ترابط الجبهات، وذلك على نحو مشابه لما حصل في لبنان.
يكمن الحل في العودة إلى المفاوضات الجدية وتقديم تنازلات من كلا الطرفين، بما يفسح المجال أمام إعادة تدفقات الخام من المضائق الحيوية، ويمهد الطريق لتسوية الملفات الرئيسية، بما قد يؤدي إلى إرساء سلام راسخ في الإقليم. من دون ذلك، فإن جولات التهدئة التي نراها كما اليوم ستكون مؤقتة، وتالية لتصعيد أكبر يُعد له كلا طرفي الحرب.