تخطي إلى المحتوى
تحليل

الذهب بين جني الارباح وجاكسون هول ...هل يستعد لاستئناف الصعود

  الذهب بين جني الارباح وجاكسون هول ...هل يستعد لاستئناف الصعود

أرى أن الذهب يدخل جلسة اليوم في مرحلة مهمة من إعادة التوازن بعد الارتفاع القوي الذي دفع الأسعار إلى تسجيل أعلى مستوياتها في نحو 15 أسبوعًا بالقرب من 4697 دولارًا للأونصة. والتراجع الحالي إلى ما دون مستوى 4600 دولار لا أراه حتى الآن تحولًا في الاتجاه الرئيسي، بقدر ما أراه حركة تصحيحية طبيعية نتيجة عمليات جني الأرباح بعد موجة صعود قوية. وفي تقديري، فإن السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين والمتداولين ليس ما إذا كان الذهب قد تراجع، وإنما ما إذا كان هذا التراجع يمثل بداية انعكاس هابط أعمق أم مجرد محطة مؤقتة قبل استئناف الاتجاه الصاعد.

ومن وجهة نظري، لا تزال البيئة الأساسية للذهب تحمل عوامل داعمة، إلا أن السوق أصبح أكثر حساسية تجاه توقعات السياسة النقدية الأمريكية. فارتفاع التضخم، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين بشأن النمو والمالية العامة وأسواق السندات، يجعل مهمة الاحتياطي الفيدرالي أكثر تعقيدًا. بيانات التضخم الأخيرة أظهرت استمرار الضغوط السعرية، حيث ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي إلى مستويات تتطلب من الفيدرالي الحذر، وهو ما يفسر تمسك الأسواق بترقب شديد لأي إشارة تتعلق بالخطوة المقبلة بشأن أسعار الفائدة.

وهنا تحديدًا تبرز أهمية خطاب كيفن وارش في جاكسون هول، باعتباره أحد أهم المحركات المحتملة للذهب والدولار خلال المرحلة الحالية. الأسواق لا تبحث فقط عن تصريحات تقليدية حول مراقبة البيانات الاقتصادية، بل تريد فهم الرؤية المستقبلية لمسار السياسة النقدية، وخاصة ما إذا كان الفيدرالي يميل إلى الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم، أم أن ضعف النشاط الاقتصادي قد يدفعه إلى تبني موقف أكثر مرونة. وأعتقد أن أي إشارة أكثر تشددًا من المتوقع قد تمنح الدولار وعوائد السندات دفعة مؤقتة، وبالتالي تزيد الضغوط على الذهب، بينما فإن غياب الإشارات المتشددة أو ظهور نبرة أكثر مرونة قد يعيد الطلب سريعًا إلى المعدن النفيس.

ومن المهم هنا التأكيد على أن الذهب لم يعد يتحرك فقط وفق العلاقة التقليدية بينه وبين الدولار أو أسعار الفائدة الحقيقية. حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالديون والعجز المالي الأمريكي، أصبحت عوامل مؤثرة بصورة متزايدة في قرارات المستثمرين. ولذلك، حتى في حال حصول الدولار على دعم مؤقت من تصريحات الفيدرالي، قد تظل عمليات شراء الذهب حاضرة باعتباره أداة للتحوط وملاذًا في مواجهة المخاطر المتزايدة.

أما من الناحية الأساسية، فأرى أن التراجع الحالي يمثل اختبارًا حقيقيًا لقوة الطلب وليس بالضرورة إشارة مبكرة إلى نهاية الاتجاه الصاعد. والارتفاع الأخير كان سريعًا نسبيًا، وبالتالي فإن انتقال جزء من السيولة إلى جني الأرباح أمر طبيعي. كما أن اقتراب الأسعار من مستويات مرتفعة جديدة يجعل السوق أكثر عرضة لتذبذبات حادة، خصوصًا قبل الأحداث الاقتصادية الكبرى. ولذلك لا أعتقد أن الحكم على الاتجاه يجب أن يعتمد على حركة ساعات قليلة، بل على قدرة الذهب على الحفاظ على مستويات الدعم الرئيسية واستعادة مناطق المقاومة المهمة.

وبالنظر إلى الصورة الحالية، أعتبر منطقة 4617.81–4599 دولارًا منطقة محورية لتحديد التوازن بين المشترين والبائعين، فيما تمثل 4601.95 دولارًا مستوى القيمة العادلة الذي أراقبه بشكل خاص. بقاء الذهب حول هذه المنطقة يعني أن السوق لا يزال في مرحلة اختبار، بينما العودة والاستقرار أعلى 4617.81 من شأنهما تحسين الصورة الإيجابية ورفع احتمالات استهداف مستويات أعلى مجددًا. في المقابل، فإن استمرار التداول دون هذه المنطقة سيبقي الباب مفتوحًا أمام اختبار 4575–4560 دولارًا، وهي بالنسبة لي منطقة الدعم الرئيسية التي ستحدد مدى عمق التصحيح.

وعلى الجانب الآخر، إذا تمكن الذهب من استعادة الزخم أعلى المقاومة الأولى الواقعة بين 4597 و4615 دولارًا، ثم تجاوز المنطقة المحورية والثبات فوقها، فسأتعامل مع ذلك باعتباره إشارة على أن موجة جني الأرباح بدأت تفقد قوتها. وفي هذه الحالة، قد تعود الأنظار تدريجيًا إلى القمم الأخيرة، مع بقاء منطقة 4693–4707 دولارًا هي المقاومة الرئيسية والأهم في الصورة الحالية. اختراق هذه المنطقة والثبات فوقها سيكون تطورًا فنيًا وأساسيًا مهمًا، لأنه سيعزز سيناريو استئناف الاتجاه الصاعد ويفتح المجال أمام تسجيل مستويات قياسية جديدة.

في المقابل، لا ينبغي تجاهل السيناريو السلبي. فإذا جاءت تصريحات الفيدرالي أكثر تشددًا مما تتوقعه الأسواق، بالتزامن مع ارتفاع قوي في الدولار وعوائد السندات، فقد يتعرض الذهب لضغط إضافي، خصوصًا إذا فشل في الحفاظ على منطقة 4575–4560 دولارًا. لكنني في هذه المرحلة لا أرى أن مجرد كسر مؤقت لبعض المستويات يعني تحول الاتجاه بالكامل إلى هابط، بل سأحتاج إلى تأكيد أساسي وفني متزامن قبل اعتبار التصحيح بداية لاتجاه هابط جديد.

وخلاصة وجهة نظري أن الذهب يقف حاليًا أمام اختبار مهم، وأن جاكسون هول قد يكون العامل الذي يحدد اتجاه الحركة التالية أكثر من كونه مجرد حدث اقتصادي عابر. أميل إلى اعتبار التراجع الحالي تصحيحًا وجنيًا للأرباح داخل اتجاه لا يزال يحمل مقومات إيجابية، لكنني في الوقت نفسه لا أستبعد ارتفاع حدة التقلبات قبل اتضاح موقف الفيدرالي. لذلك، فإن مفتاح المشهد بالنسبة لي يبقى في قدرة الذهب على استعادة 4617.81، بينما يمثل الحفاظ على 4575–4560 خط الدفاع الأهم للمشترين. وفي حال جاءت رسالة الفيدرالي أقل تشددًا من المخاوف الحالية، فقد نشهد عودة قوية للطلب على الذهب، وربما محاولة جديدة لاختبار منطقة 4693–4707 دولارًا. أما إذا جاءت الرسالة أكثر تشددًا، فقد يطول التصحيح قبل أن تتضح فرصة جديدة لاستئناف الاتجاه الصاعد.